الشَّهَوَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الْجِهَادِ : لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَى الْجِهَادِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ التَّهَوُّرِ . وَفِي الْعِلْمِ لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَى تَحْقِيقِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الدِّينِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ . وَلَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَى تَحْقِيقِ عِلْمِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَالْمُعَرَّفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الرَّهْبَانِيَّةِ . فَهَذَا الْقِسْمُ كَثُرَ فِي دُوَلِ الْمُلُوكِ ؛ إذْ هُوَ وَاقِعٌ فِيهِمْ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ أُمَرَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ . أَعْنِي أَهْلَ زَمَانِهِمْ . وَبِسَبَبِهِ نَشَأَتْ الْفِتَنُ بَيْنَ الْأُمَّةِ . فَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ؛ فَذَمُّوهُمْ وَأَبْغَضُوهُمْ . وَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا فَعَلُوهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَأَحَبُّوهُمْ . ثُمَّ الْأَوَّلُونَ رُبَّمَا عَدُّوا حَسَنَاتِهِمْ سَيِّئَاتٍ . وَالْآخَرُونَ رُبَّمَا جَعَلُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَسَّرَ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي الْإِمَارَةِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْمُلْكِ : فَهَلْ يَكُونُ الْمُلْكُ مُبَاحًا كَمَا يُبَاحُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ ؟ ذَكَرْنَا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ ؛ فَإِنْ أُقِيمَ التَّعَسُّرُ مَقَامَ التَّعَذُّرِ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إثْمًا وَإِنْ لَمْ يَقُمْ كَانَ إثْمًا . وَأَمَّا مَا لَا تَعَذُّرَ فِيهِ وَلَا تَعَسُّرَ : فَإِنَّ الْخُرُوجَ فِيهِ عَنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى . " فَالتَّحْقِيقُ " أَنَّ الْحَسَنَاتِ : حَسَنَاتٌ وَالسَّيِّئَاتِ : سَيِّئَاتٌ وَهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا . وَحُكْمُ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَلَا يُؤْمَرُونَ بِهِ . وَلَا يُجْعَلُ حَظُّ أَنْفُسِهِمْ عُذْرًا لَهُمْ فِي فِعْلِهِمْ ؛ إذَا لَمْ تَكُنْ الشَّرِيعَةُ عَذَرَتْهُمْ ؛ لَكِنْ يُؤْمَرُونَ بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَيُحَضُّونَ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَيُرَغَّبُونَ فِيهِ . وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ إلَّا بِالسَّيِّئَاتِ الْمَرْجُوحَةِ ؛ كَمَا يُؤْمَرُ الْأُمَرَاءُ بِالْجِهَادِ ؛ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي تَقِلُّ مَفْسَدَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ . ثُمَّ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ إذَا نُهُوا عَنْ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ تَرَكُوا الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةَ الْوَاجِبَةَ لَمْ يُنْهَوْا عَنْهَا ؛ لِمَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا مِنْ مَفْسَدَةِ تَرْكِ الْحَسَنَاتِ الْوَاجِبَةِ ؛ إلَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَيُفْعَلُ حِينَئِذٍ تَمَامُ الْوَاجِبِ كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَعْمِلُ مَنْ فِيهِ فَجُوِّرَ ؛ لِرُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ فِي عَمَلِهِ ؛ ثُمَّ يُزِيلُ فُجُورَهُ بِقُوَّتِهِ وَعَدْلِهِ . وَيَكُونُ تَرْكُ النَّهْيِ عَنْهَا حِينَئِذٍ : مِثْلَ تَرْكِ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ أَوْ بِالسِّلَاحِ إذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمُنْكَرِ . فَإِذَا كَانَ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا فِي الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِتَرْكِ الْمَعْرُوفِ الرَّاجِحِ : كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِفِعْلِ الْمُنْكَرِ الرَّاجِحِ كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَنْ لَا
المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٤٦٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في أحاديث الفتنص ٤٦٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي