يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ » (78 ـ 79 : المائدة).
وهنا سؤال : كيف يؤخذ المحسنون بظلم الظالمين ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؟ » (18 : فاطر) ويقول سبحانه : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ؟ » (105 : المائدة) .. ويقول فى هذه الآية : « وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » .. فكيف يكون مع المتقين ثم يأخذهم بما أخذ به الظالمين؟.
والجواب ـ واللّه أعلم ـ :
أولا : أن سكوت غير الظالمين عن الظالمين هو وزر ، له عقابه ، فهم وإن لم يظلموا أحدا ، فقد ظلموا أنفسهم بحجزها عن هذا المنطلق الذي تنطلق منه إلى رضوان اللّه ، وإلى حماية أنفسهم وحماية المجتمع الذي هم فيه مما يشيعه الظالمون من فساد وضلال ، وشر مستطير.
وثانيا : أن قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ » هو حماية للمؤمنين من أن يجرفهم تيار المفسدين ، وأن يسلموا زمامهم لهم ، ويسلكوا معهم الطريق الذين سلكوه حين يستشرى الفساد ويغلب المفسدون .. فهنا يكون واجب المؤمن حيال نفسه أن يحميها أولا من هذا الوباء ، وأن يمسك عليه دينه حتى لا يفلت منه فى زحمة هذا الفساد الزاحف بخيله ورجله .. ومع هذا ، فإنه لن يعفى المؤمنين استشراء الشرّ من أن يقوموا بما يجب عليهم فى تلك الحال ، من النصح ، والتوجيه ، والدعوة إلى اللّه ، فهم أساة المجتمع لهذا الوباء الذي نزل به ..
فإذا قصّروا فى أداء هذا الواجب كانوا بمعرض المؤاخذة والجزاء ..
وثالثا : قوله تعالى : « وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » هو توكيد لما يجب على المؤمنين من التناصح ، والتناهى عن المنكر فيما بينهم ، وإلا لم يكونوا من المتقين ، ولم يحسبوا فيهم .. إذ كيف يكون المؤمن ممن اتقى اللّه ، وهو يرى المنكر ولا ينكره ، ويرى الظلم ولا يقف فى وجهه؟