الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : فَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي شَرَحَتْ وَأَبَانَتْ شَرَائِعَهُ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى أَهْلِهِ وَنَفَتْ عَنْهُ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا , ثُمَّ فَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا خِلَالُ الْإِيمَانِ فِي الْبَابِ الَّذِي فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ , فَلَمَّا خَالَطَتْ هَذِهِ الْمَعَاصِي هَذَا الْإِيمَانَ الْمَنْعُوتَ بِغَيْرِهَا , قِيلَ : لَيْسَ هَذَا مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا الْأَمَانَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا أَنَّهُ الْإِيمَانُ فَنَفَتْ عَنْهُمْ حِينَئِذٍ حَقِيقَتَهُ وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُمُ اسْمُهُ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَاسْمُ الْإِيمَانِ غَيْرُ زَائِلٍ عَنْهُ ؟ قِيلَ : هَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ الْمُسْتَفِيضُ عِنْدَنَا غَيْرُ الْمُسْتَنْكَرِ فِي إِزَالَةِ الْعَمَلِ عَنْ عَامِلِهِ , إِذَا كَانَ عَمَلُهُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ , أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلصَّانِعِ إِذَا كَانَ لَيْسَ بِمُحْكِمٍ لِعَمَلِهِ : مَا صَنَعْتَ شَيْئًا وَلَا عَمِلْتَ عَمَلًا , وَإِنَّمَا وَقَعَ مَعْنَاهُمْ هَاهُنَا عَلَى نَفْيِ التَّجْوِيدِ , لَا عَلَى الصَّنْعَةِ نَفْسِهَا , فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَامِلٌ بِالِاسْمِ , وَغَيْرُ عَامِلٍ فِي الْإِتْقَانِ حَتَّى تَكَلَّمُوا بِهِ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا , وَذَلِكَ كَرَجُلٍ يَعُقُّ أَبَاهُ وَيَبْلُغُ مِنْهُ الْأَذَى , فَيُقَالُ : مَا هُوَ بِوَلَدٍ , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ابْنُ صُلْبِهِ ثُمَّ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْأَخِ , وَالزَّوْجَةِ , وَالْمَمْلُوكِ وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ فِي هَذَا : الْمُزَايَلَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْبِرِّ وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالرَّقُ وَالْأَنْسَابُ , فَعَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَمَاكِنُهَا وَأَسْمَاؤُهَا فَكَذَلِكَ هَذِهِ الذُّنُوبُ الَّتِي يُنْفَى بِهَا الْإِيمَانُ , إِنَّمَا أَحْبَطَتِ الْحَقَائِقُ مِنْهُ الشَّرَائِعَ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِهِ , فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَعَلَى مَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ , وَلَا يُقَالُ لَهُمْ إِلَّا : مُؤْمِنُونَ , وَبِهِ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ وَجَدْنَا مَعَ هَذَا شَوَاهِدَ لِقَوْلِنَا مِنَ التَّنْزِيلِ وَالسُّنَّةِ فَأَمَّا التَّنْزِيلُ : فَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ , حِينَ قَالَ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ " (1)
- - - - - - - - - - - - - - - -
(1) - الْإِيمَانُ لِابْنِ سَلَّامٍ -بَابُ الْخُرُوجِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي ...