تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِالْجُرُفِ ، فَرَكِبْتُ إِلَيْهِ حَتَّى جِئْتُهُ ، فَإِذَا هُوَ وَاضِعٌ رِدَاءَهُ يُحَرِّكُ الْمَاءَ بِمِسْحَاةٍ فِي يَدِهِ ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتُحْيِيَ مِنِّي ، فَأَلْقَى الْمِسْحَاةَ وَأَخَذَ رِدَاءَهُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : قَدْ جِئْتُ لِأَمْرٍ وَقَدْ رَأَيْتُ أَعْجَبَ مِنْهُ هَلْ جَاءَكُمْ إِلاَّ مَا جَاءَنَا ؟ أَمْ هَلْ عَلِمْتُمْ إِلاَّ مَا عَلِمْنَا ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : لَمْ يَأْتِنَا إِلاَّ مَا جَاءَكُمْ ، وَلَمْ نَعْلَمْ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ ، قُلْتُ : فَمَا لَنَا نَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا ، وَنَخِفُّ فِي الْجِهَادِ وَتَتَثَاقَلُونَ عَنْهُ ، وَأَنْتُمْ سَلَفُنَا وَخِيَارُنَا ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : لَمْ يَأْتِنَا إِلاَّ مَا أَتَاكُمْ ، وَلَمْ نَعْلَمْ إِلاَّ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ ، وَلَكِنْ بُلِينَا بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا ، وَبُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ " مسند الشاميين (1)

وعَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْجُوعِ فِي وجُوهِ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَبْشِرُوا ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْدَى عَلَى أَحَدِكُمْ بِالْقَصْعَةِ مِنَ

(1) - مسند الشاميين( 3189) فيه ملهم

وَإِذَا كَانَ هَذَا وَهَذَا : فَكِلَاهُمَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ . وَكِلْتَا النِّعْمَتَيْنِ تَحْتَاجُ مَعَ الشُّكْرِ إلَى الصَّبْرِ . أَمَّا نِعْمَةُ الضَّرَّاءِ : فَاحْتِيَاجُهَا إلَى الصَّبْرِ ظَاهِرٌ . وَأَمَّا نِعْمَةُ السَّرَّاءِ : فَتَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ فِيهَا .

فَإِنَّ فِتْنَةَ السَّرَّاءِ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ .

كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : اُبْتُلِينَا بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا . وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ . وَفِي الْحَدِيثِ ﴿ أَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ . وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ﴾ . وَالْفَقْرُ : يَصْلُحُ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ .

وَالْغِنَى : لَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ إلَّا أَقَلُّ مِنْهُمْ . وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْمَسَاكِينُ . لِأَنَّ فِتْنَةَ الْفَقْرِ أَهْوَنُ وَكِلَاهُمَا يَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ . لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي السَّرَّاءِ : اللَّذَّةُ . وَفِي الضَّرَّاءِ : الْأَلَمُ . اشْتَهَرَ ذِكْرُ الشُّكْرِ فِي السَّرَّاءِ وَالصَّبْرِ فِي الضَّرَّاءِ . قَالَ تَعَالَى ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ ﴿ إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ وَلِأَنَّ صَاحِبَ السَّرَّاءِ : أَحْوَجُ إلَى الشُّكْرِ وَصَاحِبَ الضَّرَّاءِ : أَحْوَجُ إلَى الصَّبْرِ . فَإِنَّ صَبْرَ هَذَا وَشُكْرَ هَذَا : وَاجِبٌ . إذَا تَرَكَهُ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ . وَأَمَّا صَبْرُ صَاحِبِ السَّرَّاءِ : فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا إذَا كَانَ عَنْ فُضُولِ الشَّهَوَاتِ . وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا وَلَكِنْ لِإِتْيَانِهِ بِالشُّكْرِ - الَّذِي هُوَ حَسَنَاتٌ - يَغْفِرُ لَهُ مَا يَغْفِرُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ . وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الضَّرَّاءِ : لَا يَكُونُ الشُّكْرُ فِي حَقِّهِ مُسْتَحَبًّا إذَا كَانَ شُكْرًا يَصِيرُ بِهِ مِنْ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ . وَقَدْ يَكُونُ تَقْصِيرُهُ فِي الشُّكْرِ : مِمَّا يَغْفِرُ لَهُ لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الصَّبْرِ . فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ جَمِيعًا : يَكُونُ مَعَ تَأَلُّمِ النَّفْسِ وَتَلَذُّذِهَا يَصْبِرُ عَلَى الْأَلَمِ وَيَشْكُرُ عَلَى النِّعَمِ . وَهَذَا حَالٌ يَعْسُرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ .مجموع الفتاوى لابن تيمية - (14 / 305)

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ١١٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ١١٨١