مَمْدُودًا ، يَعْنِي : خَلَقْتُ ، وَالْمَالُ مَوْجُودٌ يُوزَنُ وَيُعَدُّ وَيُحْصَى وَيُعْرَفُ ، فَهَلْ يُوزَنُ الْقُرْآنُ ؟ ، وَقَالَ : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ ، يُمْشَى عَلَيْهَا وَتُحْرَثُ ، فَهَلْ يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ؟ فَهَذَا كُلُّهُ عَلَى لَفظِ ( جَعَلَ ) وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْخَلْقِ ، وَقَدْ ذَكَرَ مَعْنَى الْجَعْلِ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْخَلْقِ ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ لَا يَعْنِي : مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ، لِأَنَّهُ هُوَ خَلَقَ الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ النَّاسَ بِاتِّخَاذِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ ، فَهَذَا لَفْظُ ( جَعَلَ ) عَلَى غَيْرِ مَعْنَى ( خَلَقَ ) ، وَقَالَ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا لَا يَعْنِي : خَالِقُكَ ، لِأَنَّ خَلْقَهُ قَدْ سَبَقَ إِمَامَتَهُ ، وَقَالَ لِأُمِّ مُوسَى : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ لَا يَعْنِي وَخَالِقُوهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَخْلُوقًا ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُرْسَلًا بَعْدَ خَلْقِهِ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمَنَّا لَا يَعْنِي : رَبِّ اخْلُقْ هَذَا الْبَلَدَ ، لِأَنَّ الْبَلَدَ قَدْ كَانَ مَخْلُوقًا ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ هَذَا الْبَلَدَ ؟ وَقَالَ : فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ، لَا يُرِيدُ : حَتَّى خَلَقْنَاهُمْ حَصِيدًا . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي لَا يَعْنِي : رَبِّ اخْلُقْنِي ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، وَلَمْ يُرِيدَا : وَاخْلُقْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ لِأَنَّ خَلْقَهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِمَا ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، مِمَّا لَفْظُهُ ( جَعَلَ ) عَلَى غَيْرِ مَعْنَى ( خَلَقَ ) ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا إِنَّمَا جَعَلَهُ عَرَبِيًّا لِيُفْهَمَ وَيُبَيَّنَ لِلَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَرَبِ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ؟ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ، يَقُولُ : أَعَرَبِيٌّ مُحَمَّدٌ وَعْجَمِيٌّ كَلَامُهُ بِالْقُرْآنِ ؟ فَجَعَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . كَذَلِكَ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ؟ وَقَالَ : قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، وَقَالَ : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ ، فَإِنَّمَا يَعْنِي : أَنْزَلْنَاهُ نُورًا ، تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا . وَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ، وَقَالَ : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَقَالَ
المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ١٠٠٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في أحاديث الفتنص ١٠٠٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي