تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مَا لِي وَلِلدُّنْيَا

-38 - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ:"يَا عُمَرُ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَلِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرْكَهَا" (1)

عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير

-39 - عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (2)

(1) - تهذيب صحيح ابن حبان (1 - 3) علي بن نايف الشحود (3/ 91) (6352) (صحيح)

(فَقَالَ:" مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا "):" مَا " نَافِيَةٌ أَيْ: لَيْسَ لِي أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعَ الدُّنْيَا وَلَا لِلدُّنْيَا أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعِي حَتَّى أَرْغَبَ إِلَيْهَا، وَأَنْبَسِطَ عَلَيْهَا، وَأَجْمَعَ مَا فِيهَا وَلَذَّتَهَا أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ لِي مَعَ الدُّنْيَا أَوْ أَيُّ شَيْءٍ لِي مَعَ الْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا أَوْ مَيْلِهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي طَالِبُ الْآخِرَةِ وَهِيَ ضَرَّتُهَا الْمُضَادَّةُ لَهَا. هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَوْلُهُ: وَنَعْمَلَ مُتَعَلِّقَةٌ مَحْذُوفٍ، فَيُقَدَّرُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَهُوَ وُجُودُ التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ بِالْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِسَاطًا، وَمِنْ ثَمَّ طَابَقَهُ قَوْلُهُ:" مَا لِي وَلِلدُّنْيَا " أَيْ: لَيْسَ حَالِي مَعَ الدُّنْيَا. (" إِلَّا كَرَاكِبٍ ") أَيْ: إِلَّا كَحَالِ رَاكِبٍ (" اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا "):وَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، وَهُوَ التَّشْبِيهُ بِسُرْعَةِ الرَّحِيلِ: وَقِلَّةِ الْمُكْثِ، وَمِنْ ثَمَّ خَصَّ الرَّاكِبَ وَاللَّامُ فِي لَلدُّنْيَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إِنْ كَانَ الْوَاوُ بِمَعْنَى " مَعَ " وَإِنْ كَانَ لِلْعَطْفِ، فَالتَّقْدِيرُ مَا لِي مَعَ الدُّنْيَا وَمَا الدُّنْيَا مَعِي. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3247)

(2) - تهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص:1051) (2999)

" عَجَبًا ") أَيْ: عَجِبْتُ عَجَبًا (" لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ") أَيْ: لِشَأْنِهِ وَمَا لَهُ فِي كُلِّ حَالِهِ (" إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ "):بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ كَمَا قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:154] أَيْ: جَمِيعَ أُمُورِهِ. (لَهُ خَيْرٌ) أَيْ: خَيْرٌ لَهُ فِي الْمَآلِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ شَرًّا صُورِيًّا فِي الْحَالِ، وَقَدَّمَ الظَّرْفَ اهْتِمَامًا (" وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ "):قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:مُظْهَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ لِيُشْعِرَ بِالْعَلِيَّةِ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الْإِظْهَارَ وَالْإِضْمَارَ مُسْتَوِيَانِ فِي الْإِشْعَارِ بِالْعَلِيَّةِ، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ هِيَ إِظْهَارُ الْإِشْعَارِ عَلَى وَجْهِ التَّصْرِيحِ، فَإِنَّهُ آكَدُ مِنْ طَرِيقِ التَّلْوِيحِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ عَلَى وَجْهِ التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ: (" إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ ") أَيْ: نَعْمَاءُ وَسَعَةُ عَيْشٍ وَرَخَاءٌ وَتَوْفِيقُ طَاعَةٍ مِنْ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ (" شَكَرَ فَكَانَ ") أَيْ: شُكْرُهُ (خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ):أَيْ: فَقْرٌ وَمَرَضٌ وَمِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ (صَبَرَ فَكَانَ) أَيْ: صَبْرُهُ (" خَيْرًا لَهُ "):وَبِهَذَا تَبَيَّنَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ عَلَى الْإِطْلَاقِ: أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، بَلْ حَالَةُ التَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ أَوْلَى، وَالْقِيَامُ بِمُقْتَضَى الْوَقْتِ أَعْلَى بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَفَاوُتِ الرِّجَالِ. قَالَ تَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:30].

وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: («إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ فَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى فَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَضَاعَ حَالُهُ»):لِذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:الْفَقْرُ وَالْغِنَى مَطِيَّتَانِ لَا أُبَالِي أَيَّتُهُمَا أَرْكَبُ. وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْقَوْمِ فِي طَلَبِ طُولِ الْعُمُرِ لِطَاعَةِ اللَّهِ، أَوْ طَلَبِ الْمَوْتِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، أَوْ لِلِاشْتِيَاقِ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ الْمُعْتَمَدُ التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي دُعَائِهِ:" «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» " ثُمَّ وَجَّهَ حَصْرَ الْخَيْرِ فِي كُلِّ حَالٍ لِلْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَبِعَ وَبَطِرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ جَزَعَ وَكَفَرَ، بِخِلَافِ حَالِ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ: إِذَا كَانَ شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ نِعْمَةً عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّسَعَ الْعُمُرُ إِذَا مَسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورَهَا وَإِنْ مَسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهُ الْأَجْرَ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3317)

الخلاصة في شرح الأربعين في الزهد · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في شرح الأربعين في الزهدص ٤٨