تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، والدِّرْهَمِ، وَالْقَطِيفَةِ
-37 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ» " (1)
(1) - صحيح البخاري (4/ 34) (2886 و 2887)
[ش (تعس) سقط على وجهه أو شقي وهلك. (عبد الدينار) مجاز عن الحرص عليه وتحمل الذلة من أجله فمن بالغ في طلب شيء وانصرف عمله كله إليه صار كالعابد له. (القطيفة) دثار مخمل والدثار ما يلبس فوق الشعار والشعار ما لامس الجسد من الثياب. (الخميصة) كساء أسود مربع له خطوط. (أعطي) من المال. (رضي) عن الله تعالى وعمل العمل الصالح. (انتكس) انقلب على رأسه وهو دعاء عليه بالخيبة والخسران. (شيك) أصابته شوكة. (فلا انتقش) فلا قدر على إخراجها بالمنقاش ولا خرجت والمراد إذا أصيب بأقل أذى فلا وجد معينا على الخلاص منه. (طوبى) من الطيب أي كانت له حياة طيبة وجزاء طيب. (بعنان) لجام. (أشعث) متفرق الشعر غير مسرح. (إن كان في الحراسة) جعل في مقدمة الجيش ليحرسه من العدو. (كان في الحراسة) قام بها راضيا. (الساقة) مؤخرة الجيش. (تعسا) اللفظ من / محمد 8 /. (طوبى) اللفظ من / الرعد 29 /.وقيل هو اسم للجنة]
ما يؤخذ من الحديث:
1 - العبادة هي ما قصد بها وجه الله والدَّار الآخرة؛ فمن تعبَّد لأجل الدنيا، وليس له غرضٌ ولا مأربٌ سواها، فهذا رَكَن إلى الدنيا، وجعلها همه وغايته؛ وبهذا فقد تعس، وهلك، وسقط، وغرق في مسلكه، فلا قوام له، إلاَّ أنْ يتداركه الله تعالى بالتوبة النصوح.
2 - فهذا قلبه وقالبه معلَّق بالدنيا، إنْ أُعطيَ منها، رضي، وحمد، وأثنى، وإنْ لم يعط، سخط، وتبرَّم، وقد وصف الله المنافقين بهاتين الصفتين؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)﴾ [التوبة].
3 - قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في شرحه على كتاب التوحيد: وأما العمل لأجل الدنيا، وتحصيل أغراضها: إنْ كانت إرادة العبد كلها لهذا المقصد، ولم يكن له إرادةٌ لوجه الله والدَّار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب؛ وهذا العمل لا يصدر من مؤمن؛ فإنَّ المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان لابُدَّ أنْ يريد الله والدَّار الآخرة.
وأمَّا من عمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدان متساويان، فهذا وإنْ كان مؤمنًا، فإنَّه ناقص الإيمان, والتوحيد، والإخلاص، وعمله ناقصٌ؛ لفقده كمال الإخلاص.
وأمَّا من عمل لله وحده، وأخلص في عمله إخلاصًا تامًّا؛ ولكنه يأخذ على عمله جُعلاً يستعين به على العمل والدِّين؛ كالجعالة التي تجعل على أعمال الخير، وكالمجاهد الَّذي يرتب على جهاده غنيمة أو رزق، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس، والوظائف الدينية التي يقوم بها، فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يرد بعمله الدنيا، وإنَّما أراد الدِّين، وقصد أنْ يكون ما حصل له معينًا على القيام بالدِّين. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 357)
الموضوعات الدعوية في الحديث:
أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من إرادة الدنيا دون الآخرة:
إن من موضوعات الدعوة تحذير الناس من إرادة الدنيا وإيثارها على الآخرة؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدينار». . "،وقد حذر الله عز وجل من ذلك فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾.فينبغي للداعية أن يبين للناس خطر إرادة الدنيا ويحذرهم من ذلك؛ لأن إرادة الدنيا والعمل لأجلها شرك ينافي كمال التوحيد الواجب ويحبط العمل، وإرادة الدنيا أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرا من هذا وهذا.
فمن كانت الدنيا هَمّه وطلبه، ولها يعمل، ولها يسعى، وإياها يبتغي، ولا يرجو ثوابا من ربه، ولا يخاف عقابا على عمله، عجَّل له فيها ما يشاء وما له في الآخرة من نصيب؛ قال اللّه عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
وهذه حال من عبد المال، وقدَّمَ الاهتمام به على أمور الآخرة، ورضي من أجْلِهِ وسخط من أَجْلِهِ؛ قال اللّه عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.
فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بغير ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ لأن الرق والعبودية في الحقيقة رق القلب وعبوديته، فما استرقَّ القلب واستعبده فهو عبده؛ لأن العبد حرّ ما قَنِعَ، والحر عبد ما طَمِعَ، وطالب المال الذي لا يريد إلا المال يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها ما يحتاجه العبد: من طعامه، وشرابه، ومسكنه، ومنكحه، ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه مع بذل الأسباب، ويكون المال عنده يستعمله في حاجاته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده، ومنها ما لا يحتاج العبد إليه، فهذه ينبغي أن لا يعلق قلبه بها.
ثانيا: من أساليب الدعوة: الترهيب:
لا شك أن أسلوب الترهيب من أساليب الدعوة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة» فدعا عليه - صلى الله عليه وسلم - بأن يسقط وينكب على وجهه، وكرر ذلك بقوله: «تعس وانتكس» وهذا دعاء عليه بأن ينقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة والخسارة، ثم قال: «وإذا شيك فلا انتقش» وفي الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده؛ لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة والسعي في تحصيل الدنيا قال ابن حجر رحمه الله:" وسوغ الدعاء عليه لكونه قصر عمله على جمع الدنيا، واشتغل بها عما أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات ".
فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترهيب في دعوته إلى الله عز وجل
ثالثا: من صفات الداعية: القناعة:
دل الحديث على أن من صفات الداعية القناعة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض»،وهذا يؤذِن في شدة حرصِ طالب الدنيا عليهما وجمعه لأموالها، وطمعه فيما في أيدي الناس أما العبد الصادق مع الله عز وجل فهو يعلم أن الدنيا متاع زائل؛ لقوله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
فينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يقنع بما أعطاه الله ويذكر دائما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «قد أفلح من أسلم، ورزِق كفافا وقنعه الله بما آتاه»
رابعا: من صفات الداعية: الإخلاص:
ظهر في مفهوم هذا الحديث أن من صفات المسلم الصادق مع الله عز وجل الإِخلاص؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعطَ لم يرضَ» يدل على أن المتحتم على العبد أن يجعل نيته ومقصده لله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإِيمان».
فينبغي للعبد المسلم أن يجعل همه طاعة الله ورسوله، يبتغي ثواب الله، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه.
خامسا: من أساليب الدعوة: الترغيب:
دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب، وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لعبد اخذ بعنان فرسه في سبيل الله» وهذا فيه ترغيب وحث على العمل بما ينفع المسلم ويعود عليه بالخير، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -:" طوبى " " إشارة إلى الحض على العمل بما يحصل به خير الدنيا والآخرة " فقد دعا - صلى الله عليه وسلم - بالجنة لمن عمل هذه الأعمال.
فينبغي للداعية أن يرغب المدعوين في كل ما يعود عليهم بالنفع في الدارين.
سادسا: من صفات الداعية: الزهد:
إن المسلم الصادق هو الزاهد في الدنيا الذي لا يرغب في رئاستها، ولا حب الشهرة والظهور بدون عمل؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه» فقد انصرف عن حظوظ وخواص نفسه إلى الجهاد وما يقتضيه، حتى إن شعره لم يدهن، وعلى قدميه الغبار.
فينبغي أن يكون الداعية زاهدا في الدنيا راغبا فيما عند الله عز وجل.
سابعا: من صفات الداعية: إتقان العمل:
إن من الصفات الحميدة: إتقان العمل كما يحبه الله عز وجل؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «" إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة» أي يكون كاملا في تلك الحالة، فلا يخاف الانقطاع، ولا يهتم بالسبق بل يلازم عمله، وما هو لأجله وهذا يدل على عنايته بما أمر به، وملازمته لعمله وإتقانه له، فإن كان في الحراسة في مقدمة الجيش أتقنها،. لئلا يهجم عليهم العدو، وإن كان في الساقة في مؤخرة الجيش أقام حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال.
فينبغي للداعية إذا عمل عملا أن يتقنه؛ لأن الله عز وجل يحب ذلك.
ثامنا: من صفات الداعية: التواضع:
ظهر في الحديث أن من الصفات الجميلة التواضع؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفّع» قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:" فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع " فهو إن استأذن لم يؤذن له؛ لعدم ماله وجاهه، وإن شفع في ما يحبه الله ورسوله لم تقبل شفاعته. قال الطيبي رحمه الله: «إن استأذن لم يؤذن له» , " إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأنهَا بهَا بحيث يعتني بكليته في نفسه: لا يبتغي مالا ولا جاها عند الناس، بل يكَون عند الله وجيها، ولم يقبل الناس شفاعته، وعند الله يكون شفيعا مشفعا " فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (2/ 100)