إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ
-29 - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ الله عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بإصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: "إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ، كَالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّه، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (1).
(1) - صحيح البخاري (1/ 20) (52) وصحيح مسلم (3/ 1219) 107 - (1599)
[ش (وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه) أي مدهما إليهما ليأخذهما إشارة إلى استيقانه بالسمع (إن الحلال بين والحرام بين) أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
قال جماعة هو ثلث الإسلام وإن الإسلام يدور عليه وعلى حديث الأعمال بالنية وحديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
وقال أبو داود السجستاني يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقيل حديث ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس.
قال العلماء وسبب عظم موقعه أنه - صلى الله عليه وسلم - نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي أن يكون حلالا وأرشد إلى معرفة الحلال وأنه ينبغي ترك المشتبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقعة الشبهات وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى ثم بين أهم الأمور وهو مراعاة القلب فقال - صلى الله عليه وسلم - (ألا وإن في الجسد مضغة الخ) فبين - صلى الله عليه وسلم - أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد وبفساده يفسد باقيه، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - (الحلال بين والحرام بين) فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام حلال بين واضح لا يخفى حله كالخبز والفواكة والزيت والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضة وغير ذلك من المطعومات وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات فيها حلال بين واضح لا شك في حله. وأما الحرام البين فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح وكذلك الزنى والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك. وأما المشتبهات فمعناها أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يدركون حكمها وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا الحقه به صار حلالا وقد يكون دليله غير خال من الإحتمال البين فيكون الورع تركه ويكون داخلا في قوله - صلى الله عليه وسلم - فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه (استبرأ لدينه وعرضه) أي حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي وصان عرضه عن كلام الناس فيه (ألا وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه) معناه أن ملوك العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا حمى وهي محارمه أي المعاصي التي حرمها الله كالقتل والزنى والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة ومن قاربه يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولم يتعلق بشيء يقربه من المعصية فلا يدخل في شيء من الشبهات (ألا وإن في الجسد مضغة) قال أهل اللغة يقال صلح الشيء وفسد بفتح اللام والشين وضمهما والفتح أفصح وأشهر والمضغة القطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها قالوا المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب]
سمع النعمان بن بشي رضي الله عنهما النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول وأكد سماعه منه بإشارته إلى أذنيه: إن الحلال بين حكمه، واضح أمه، لا يخفى حِلهُ، وذلك كالخبز، والفواكه، والعسل، واللبن، وغير ذلك من المأكولات، والمشروبات، والملابس، وغير ذلك من الكلام، والمعاملات، والتصرفات.
وأن الحرام بين حكمه، واضح تحريمه، من أكل الخنزير، وشرب الخمر، ولبس الحرير والذهب للرجل، والزنا، والغيبة، والنميمة، والحقد، والحسد وغر ذلك.
فهذان القسمان بينا الحكم، لما ورد فيهما من النصوص الواضحة القاطعة، وإن هناك قسما ثالثا مشتبه الحكم، غير واضح الحل أو الحرمة، وهذا الاشتباه راجع إِلى أمور.
منها: تعارض الأدلة، بحيث لا يظهر الجمع لا الترجيح بينها، فهذا مشتبه في حق المجتهد الذي يطلب الأحكام من أدلتها.
فمن انبهم عليه الحكم الراجح، فهو في حقه مشتبه، فالورع اتقاء الشبهة ومنها تعارض أقوال العلماء وتضاربها، وهذا في حق المقلد الذي لا ينظر في الأدلة.
فالورع في حق هذا، اتقاء المشتبه.
ومنها: ما جاء في النهى عنها حديث ضعيف، يوقع الشك في مدلوله.
ومنها: المكروهات جميعها، فهي رقية (أي: سُلَّم يوصل) إلى فعل المحرمات والإقدام عليها.
فإن النفس إذا عصمت عن المكروه، هابت الإقدام عليه ورأته معصية فيكون حاجزا منيعا عن المحرمات.
ومنها: المباح الذي يخشى أن يكون ذريعة إلى المحرم، أو يجر- في بعض الأحول- إلى المحرم، ومثله الإفراط في المباحات فتسبب مجاوزته إلى الحرام، إما عند فقده، أو للإفراط فيما هو فيه.
وقد كان السلف رضي الله عنهم، يتركون المباحات اليسيرة، خوفاً من المكروه والحرام.
ثم ضرب - صلى الله عليه وسلم - مثلا للمحرمات، بالحمى الذي يتخذه الخلفاء والملوك مرعى لدوابهم.
ومثَّل المُلمَّ بالمشتبهات، بالراعي الذي يسيم ماشيته حول الحمى، فيوشك ويقرب أن ترعى ماشيته فيه، لقربه منه، كذلك الملم في المشتبهات، يوشك أن يقع في المحرمات، وهو تصوير بديع، ومثال قريب.
ثم ذكر - صلى الله عليه وسلم - أن في الجسد لحمة صغيرة لطيفة، بقدر ما يمضغ، وأن هذه القطعة من اللحم، هي القلب، وأن هذا القلب، هو السلطان المدبر لمملكة الأعضاء وما تأتي من أعمال، كما أن عليه مدار فسادها وما تجره من شر.
فإن صلح هذا القلب، فإنه لن يأمر إلا بما فيه الخير وسيصلح الجسد كله.
وإن فسد، فسيأمر بالفساد والشر، وتكون الأعمال معكوسة منكوسة والله ولى التوفيق.
وبالجملة، فهذا حديث عظيم جليل، وقاعدة من قواعد الإسلام، وأصل من أصول الشريعة، عليه لوائح أنوار النبوة ساطعة، ومشكاة الرسالة مضيئة، فهو من جوامع كلم النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويحتاج استيفاء الكلام عليه إلى مصنف مستقل طويل.
وهذه نبذة تفتح الباب أمام طالب العلم، ليراجع ويتدبر، ويفكر، وسيجد فيه من كنوز المعرفة، الخير الوفير.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص:707)
ما يؤخذ من الحديث:
1 - الحلال بيِّنٌ حكمه، واضحٌ أمره، لا يخفى حله؛ وذلك كالخبز، والفواكه، والعسل، واللبن، وجميع المأكولات، والمشروبات، والملابس، الواضح حلها، وكذا المعاملات، والتصرفات.
2 - وإنَّ الحرام بيِّنٌ حكمه، واضحٌ تحريمه؛ من أكل لحم الخنزير، وشُرب الخمر، ولبس الحرير، والذَّهب للرَّجل، والزنى، والغِيبة، والنميمة، والحقد، والحسد، وغير ذلك.
فهذان القسمان الحكم فيها بيِّنٌ؛ لما ورد فيهما من النصوص القاطعة.
3 - هناك قسمٌ ثالثٌ مُشْتبه الحكم، غير واضح الحل أو الحرمة، وهذا الاشتباه راجعٌ إلى أمور:
منها: تعارض الأدلة: بحيث لا يظهر الجمع، ولا الترجيح بينها؛ فهذا مشتبهٌ في حقِّ المجتهد الَّذي يطلب الأحكام من أدلتها.
فمن انبهم عليه الحكم الرَّاجح، فيو في حقِّهِ مشتبه؛ فالورع اتقاء الشبهة.
ومنها: تعارض أقوال العلماء وتضاربها؛ وهذا في حق المقلِّد الَّذي لا ينظر في الأدلة؛ فالورع في حق هذا اتقاء المشتبه.
ومنها: ما جاء في النَّهي عنها حديث ضعيف، يوقع الشك في مدلوله.
ومنها: المكروهات جميعها: فهي رقية -أي: سُلّم وَصْل- إلى فعل المحرمات، والإقدام عليها؛ فإنَّ النَّفس إذا عصمت عن المكروه، هابت الإقدام عليه، ورأته معصية؛ فيكون حاجزًا منيعًا عن المحرمات.
ومنها: المباح الَّذي يُخشى أنْ يكون ذريعةً إلى المحرَّم، أو يجرّ -في بعض الأحوال- إلى المحرم، ومثله الإفراط في المباحات، فتسبب مجاوزته إلى الحرام، إمَّا عند فقده، أو للإفراط فيما هو فيه.
وبناءً عليه: فإنَّ هذا الحديث أصلٌ في الورع، وهو أنَّ ما اشتبه على الرجل أمره في الحل أو الحرمة، فالورع تركه وتجنبه؛ فإنَّه إذا لم يتركه واستمر عليه، واعتاده، جَرَّ ذلك إلى الوقوع في الحرام.
4 - وقد كان السلف -رَضِي الله عنهم- يتركون المباحات الكثيرة؛ خوفًا من المكروه والحرام؛ ذلك أنَّ من لم يتعد الشُّبَهَ في كسبه ومعاشه، فقد عرَّض دينه وعرضه للطعن.
5 - ثمَّ ضربَ - صلى الله عليه وسلم - مثلًا للمحرَّمات بالحِمَى، الَّذي يتخذه الخلفاء والملوك مرعى لدوابُّهم. ومثَّل المُلِمّ بالمشتبهات بالرَّاعي، الَّذي يسيم ماشيته حول الحمى، فيوشك ويقرب أنْ ترعى ماشيته فيه؛ لقربه منه، كذلك المُلِمّ بالمشتبهات يوشك أنْ يقع في المحرمات، وهو تصويرٌ بديعٌ، ومثالٌ قريب.
6 - ثم ذكر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ في الجسد لحمةً صغيرةً لطيفةً بقدر ما يمضغ، وأنَّ هذه القطعة من اللحم هي القلب، وأنَّ القلب هو السلطان المدبِّر لمملكة الأعضاء، وما تأتي من أعمالٍ؛ فعليه مدار فسادها أو صلاحها.
فإن صلح القلب، فإنه لن يأمر إلاَّ بما فيه الخير، وسيصلح الجسد كله، وإن فسد، فسيأمر بالفساد والشر، وتكون الأعمال معكوسة منكوسة، والله ولي التوفيق.
7 - وبالجملة فهذا حديثٌ عظيم جليل، وقاعدةٌ من قواعد الإِسلام، وأصلٌ من أصول الشريعة، عليه لوائح أنوار النُّبوة ساطعة، ومشكاة الرِّسالة مضيئة؛ فهو من جوامع كلام النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،ويحتاج استيفاء الكلام عليه إلى مصنَّف مستقل طويل.
8 - اتَّفق العلماء على عظم هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنَّه من الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، قيل: هو ثلثه، وحديث:"إنَّما الأَعمال بالنِّيات"،ثلث، وحديث:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" الثلث الباقي.
9 - قوله:"الحلال بيِّن، والحرام بيِّن ... ":معناه: أنَّ الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بيِّن واضح حله، وحرام بيِّن واضح الحرمة، والمتشابه هو الَّذي يحتمل الأمرين؛ فاشتبه على النَّاظر بأيهما يلحق، وإليه أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناَّس"؛ ففيه أنَّه يعلمهنَّ بعض النَّاس، وهم الرَّاسخون من العلماء، فإذا اجتهد المجتهد، فألحقه بأحدهما، صار حلالًا أو حرامًا، فإذا فَقَد هذه "الدلائل" فالورع تركه؛ لأنَّه دخل بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"فمن اتَّقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه".توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 353)