ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ
-31 - عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ» (1)
(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص:374) 2890 - 1059 - [ش أخرجه مسلم في الصيام باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل رقم 1119. (أكثرنا ظلا .. ) يريد أنه لم يكن لهم أخيبة يستظلون بها لما كانوا عليه من القلة فكان بعضهم يضع يده على رأسه يتقي بها الشمس ويستظل وبعضهم يضع كساءه يستظل به ولا يوجد ما هو فوق ذلك. (فلم يعملوا شيئا) لعجزهم. (الركاب) الإبل التي يسار عليها أثاروها إلى الماء للسقي وغيره. (امتهنوا وعالجوا) خدموا الصائمين فتناولوا السقي والطبخ وهيؤوا العلف وضربوا الأبنية والخيام. (بالأجر) أخذوا الأجر الكامل الأوفر لتعدي نفعهم لغيرهم بينما كان للصائمين أجر صيامهم وحده لأن نفعهم كان قاصرا عليهم].
ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ) أَيْ بِالثَّوَابِ الْأَكْمَلِ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ كَانَ فِي حَقِّهِمْ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ، وَفِي ذِكْرِ الْيَوْمِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ إِطْلَاقِ هَذَا الْحُكْمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَنَّهُمْ مَضَوْا وَاسْتَصْحَبُوا الْأَجْرَ وَلَمْ يَتْرُكُوا لِغَيْرِهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ يُقَالُ ذَهَبَ بِهِ إِذَا اسْتَصْحَبَهُ وَمَضَى بِهِ مَعَهُ اهـ يَعْنِي بِالْأَجْرِ كُلِّهِ أَوْ بِكُلِّ الْأَجْرِ مُبَالَغَةً، هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:17] الْكَشَّافِ، يُقَالُ ذَهَبَ بِهِ إِذَا اسْتَصْحَبَهُ وَمَضَى مَعَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُبَرِّدِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ مَعْنَاهَا أَذْهَبَهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِاسْتِحَالَةِ الْمُضِيِّ وَالِاسْتِصْحَابِ مَعَ نُورِهِمْ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى -مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1402)
ودل الحديث على ما يلي:
أولا: من صفات الداعية: حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر: دل هذا الحديث على أن من الصفات الجميلة حسن الصحبة وخدمة الرفيق في السفر، ولهذا خدم المفطرون الصائمين في هذا الحديث، وأثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فينبغي للداعية أن يحسن صحبة من رافقه بأدب وحسن خلق.
ثانيا: من صفات الداعية: التعاون على البر والتقوى:
ظهر في هذا الحديث التعاون في الجهاد على طاعة الله بخدمة المجاهدين، والذي دل عليه مفهوم الحديث أن جميع المفطرين تعاونوا على خدمة المجاهدين الصائمين، فأثاروا الإِبل، وقاموا بسقيها، وعقلها، وعلفها، وزاولوا خدمة إخوانهم.
فينبغي للدعاة التعاون على كل ما فيه مصلحة الدعوة وأصحاب الدعوة، قال ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث:" وفيه الحض على المعاونة في الجهاد، وأن الفطر في السفر أولى من الصيام ".
ثالثا: من أساليب الدعوة: الترغيب:
دل هذا الحديث على أسلوب الترغيب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمجاهدين: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» قال ابن حجر رحمه الله:" أي بالأجر الوافر، وليس المراد نقص أجر الصوّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام؛ لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام ".
فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب الترغيب في دعوته؛ لما له من الأهمية والتأثير في نفوس المدعوين. فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري (2/ 114)