صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ، وَالْيَقِينِ
-34 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ، وَالْيَقِينِ، وَيَهْلِكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ» (1)
أَنْفِقْ بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا
-35 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، دَخَلَ عَلَى بِلَالٍ وَعِنْدَهُ صُبْرَةٌ مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا بِلَالُ؟ " قَالَ: تَمْرٌ ادَّخَرْتُهُ، قَالَ: " أَمَا تَخْشَى يَا بِلَالُ، أَنْ يَكُونَ لَهُ بُخَارٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ؟ أَنْفِقْ بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا " (2)
(1) - الزهد لأحمد بن حنبل (ص:12) (52) وشعب الإيمان (13/ 290) (10350 و 10351) وأمالي ابن بشران - الجزء الأول (ص:232) (534) صحيح لغيره
(صلاح أول هذه الأمة: بالزهد واليقين) إذ بهما يصير العبد خالصاً لله متواضعا له متوليا لمن والاه. (ويهلك آخرها بالبخل والأمل) قال الشارح: إنه وجد في أصول صحيحه:"وهلاك" وهذا الموافق لـ "صلاح" وذلك أن البخل لا يكون إلا من فقد اليقين وسوء الظن برب العالمين والتلذذ بالشهوات واستغراق القلب في ذلك حتى يطول الأمل، قال بعضهم: الأمل كالسراب يطمع من يراه ويخيب من رجاه، وتقدم فيه كلام كثير، وجعله هلاكا لأن من بخل منع الواجب ومن طال أمله أعرض عما فرض عليه وعن التوبة. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 47)
(2) - الزهد لأحمد بن حنبل (ص:12) (46) وشعب الإيمان (2/ 483) (1283) صحيح
«مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ مَا هَذَا») أَيِ: التَّمْرُ " يَا بِلَالُ؟ قَالَ: شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ " أَيْ: لِحَاجَتِي فِي مُسْتَقْبَلٍ مِنَ الزَّمَانِ:" فَقَالَ: «أَمَا تَخْشَى أَنْ تَرَى لَهُ» " أَيْ: لِهَذَا الشَّيْءِ أَوِ التَّمْرِ غَدًا أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ " «بُخَارًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ» " أَيْ: أَثَرًا يَصِلُ إِلَيْكَ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قُرْبِهِ مِنْهَا " يَوْمَ الْقِيَامَةِ " أَيْ: جَمِيعُ زَمَانِهَا أَوْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِغَدٍ " أَنْفِقْ بِلَالُ " أَيْ: يَا بِلَالُ " وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا " أَيْ: فَقْرًا وَاعِدًا مَا، وَهَذَا أَمْرٌ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَامِ الْكَمَالِ وَإِلَّا فَقَدْ جَوَّزَ ادِّخَارَ الْمَالِ سَنَةً لِلْعِيَالِ وَكَذَا لِضُعَفَاءِ الْأَحْوَالِ، قِيلَ: وَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ ذِي الْعَرْشِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَيْ: أَتَخْشَى أَنْ يُضَيِّعَ مِثْلَكَ مَنْ هُوَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ؟ اهـ. أَوْ ذُو الْعَرْشِ كِنَايَةٌ عَنِ الرَّحْمَنِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5] أَيْ: أَتَخَافُ أَنْ يُخَيِّبَ أَمَلَكَ وَيُقَلِّلَ رِزْقَكَ مَنْ رَحْمَتُهُ عَمَّتْ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالطُّيُورَ وَالدَّوَابَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مُرَاعَاةُ السَّجْعِ أَنْ يُوقَفَ عَلَى إِقْلَالًا بِالْإِسْكَانِ أَوْ يُقَالَ يَا بِلَالًا لِلِازْدِوَاجِ كَمَا قِيلَ الْغَدَايَا وَالْعَشَايَا، أَقُولُ: هَذَا مِنَ التَّكَلُّفِ فِي السَّجْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1332)