تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ

-23 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» (1)

(1) - صحيح البخاري (8/ 89) (6416)

[ش (كأنك غريب) بعيد عن موطنه لا يتخذ الدار التي هو فيها موطنا ولا يحدث نفسه بالبقاء قال العيني هذه كلمة جامعة لأنواع النصائح إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد والنفاق والنزاع وسائر الرذائل منشؤها الاختلاط بالخلائق ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق. (عابر سبيل) مار بطريق وتعلقاته أقل من تعلقات الغريب (خذ من صحتك لمرضك) اشتغل حال الصحة بالطاعات بقدر يسد الخلل والنقص الحاصل بسبب المرض الذي قد يقعد عنها. (من حياتك لموتك) اغتنم أيام حياتك بالأعمال التي تنفعك عند الله تعالى بعد موتك]

يوصينا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بوصية عظيمة بأن يكون الإنسان في هذه الدنيا كالغريب أو عابر السبيل الذي لا يرغب الإقامة في غير بلده وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا التشبيه الرائع الدافع والحافز لكل عاقل مؤمن بأن لا يركن إلى الدنيا ولا يتعلق منها إلا بقدر ما يتعلق به المسافر أو الغريب جما غير وطنه، وقيل في ذلك: ترجو البقاء بدار لا بقاء لها وهل سمعت بظل غير منتقل والراوي عبد الله بن عمر يرشدنا إلى معنى الحديث اغتنام الأعمال الصالحة في صحة الإنسان قبل أن يحوله بينه وبين الأعمال الصالحة المرض أو العجز وفي الحياة قبل أن يحول بينه وبينها الموت. الخلاصة في شرح الأربعين النووية- علي بن نايف الشحود (ص:134)

في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حض على التشبه بالغريب؛ لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم ولم يخرج من أن يروه على خلاف عادته في الملبوس، ولا يكون متدبرا معهم، وكذلك عابر السبيل فإنه لا يتدبر ولا يلج في الخصومات مع الناس ولا يشاحهم ناظرا إلى أن لبثه معهم أياما يسيرة.

فكل أحوال الغريب وعابر السبيل في الدنيا مستحبة أن يكون للمؤمن، لأن الدنيا ليست وطنا له، لأنها تحبسه عن داره، وهي الحائلة بينه وبين قراره.

وقول ابن عمر: (وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح) أي لا ينتظر بأعمال الليل الصباح بل بادر بالعمل؛ وكذلك (إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء) أي لا تؤخر أعمال الصباح إلى الليل، (وخذ من صحتك) أي اغتنم زمن القوة فاستسلف منك لك، واعلم أنه سيأتي عليك زمان طويل وأنت تحت الأرض لا يمكنك أن تذكر الله عز وجل فبادر في زمن سلامتك. الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 247)

الخلاصة في شرح الأربعين في الزهد · الصفحة ٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في شرح الأربعين في الزهدص ٣٢