تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ

-36 - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ». (1)

(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 667) (2516) صحيح

في هذا الحديث الوصية العظيمة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث أرشد بحفظ أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه. وأن الله يحفظ من قام بذلك في حركاته وسكناته، وفي دنياه وآخرته، وأن الله سبحانه أمام العبد يعلم ما هو عليه، فلا يعلق العبد أموره وحاجاته بغير الله. بل يستعين بالله ويتوكل عليه في جميع أحواله وأموره إلا ما كان يقدر عليه الخلق. فيسأل الله سبحانه بأن يعطف عليه قلوبهم لينفعوه بما يقدرون عليه، وأن الناس لو اجتمعوا كلهم وحاولوا بأقوالهم وأفعالهم على أن يجلبوا له نفعا أو يدفعوا عنه ضررا أو يخبروه لم يستطيعوا ضرره ولا نفعه إلا بأمر كتبه الله له أو عليه. وأن الإنسان إذا أطاع الله في الرخاء فإن الله يجعل له عند الشدة فرجا ومخرجا, وليرض كل عبد بما قدره الله عليه من خير وشر. ومع الشدائد والمحن يلتزم العبد الصبر، فإن الصبر مفتاح الفرج ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ [الشرح]., ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:2]

ما يرشد إليه الحديث:

(1) جواز الإدراف على الدابة إذا كانت تطيق (3) الأمر بالمحافظة على حقوق الله وحقوق المخلوقين.

(3) أن الجزاء قد يكون من جنس العمل.

(4) الأمر بالاعتماد على الله، والتوكل عليه دون غيره، إذ هو النافع الضار، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:107] وقدر ما يركن الشخص إلى غير الله عز وجل بطلبه، أو بقلبه أو بأمله قد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه، خصوصا إذا كانت الحاجة التي يسألها مما لم تجر العادة بجريانه على أيدي الخلق كالهداية، وشفاء المرض، وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ..

(5) عجز الخلائق كلهم، وافتقارهم إلى الله عز وجل ..

(6) التنبيه على أن دار الدنيا دار بلاء وامتحان فينبغي الصبر والرضى بالقضاء والقدر.

(7) إن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن يخسروا أحدا أو ينفعوه لم يستطيعوا شيئا لم يقدره الله له أو عليه.

(8) إن الله ينصر الصابر, وأن مع كل ضيق فرجا ومخرجا ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾.

(9) ذكر المعلم للمتعلم أنه يريد أن يعلمه قبل فعله، ليشتد شوقه إلى ما يعلم وتقبل نفسه عليه.

(10) فيه حث على التواضع لإردافه - صلى الله عليه وسلم - خلفه ولم يستأثر بالدابة دون غيره.

(11) فيه دلالة على اللين والملاطفة لاختيار ابن عباس الشاب الصغير رضي الله عنهما، بل ومحادثته في الطريق وتوصيته، وصدق الله إذ وصفه بقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159]

(12) الاهتمام بتربية الصغار وهذا واضح من ظاهر الحديث.

(13) اختيار الجمل القصيرة في حال تعليم الصغار ليكون أسهل في الحفظ.

(14) بذل العلم للكبير والصغير لكن على قدر ما ينتفع به المتلقي، ولا يأنف الإنسان الذي آتاه الله علماً من تعليمه للصغار أو من هو دوناً منه.

(15) ينبغي أن يذكر مقدمة مناسبة قبل التعليم تشوق المستمع لما يقال، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - في رواية هذا الحديث حيث قال " أعلمك كلمات ينفعك الله ?ن "،لأن ابن عباس رضي الله عنهما إذا سمع ذلك شحذ همته ليحفظهن ويعمل ?ن.

(16) استغلال الوقت بما يفيد ففي حال ركوب ابن عباس رضي الله عنهما خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - حرص - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع الوقت بما يفيد من تعليم أو تذكير.

(17) فيه الاهتمام بأمر العقيدة، فهذه الكلمات جميعها من أمور العقيدة.

(18) الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله حفظه الله، ومن استعان بالله أعانه سبحانه.

(19) من تعلم هذه الكلمات انتفع بإذن الله لقوله - صلى الله عليه وسلم - " أعلمك كلمات ينفعك الله ?ن " فهذا يعطي أهمية للحديث.

(20) يربي الحديث الاعتماد على الله سبحانه والتعلق به ورجاءه دون غيره.

(21) يقرر الحديث الأعمال القلبية من التوكل والاستعانة والتعلق والخوف والرجاء لأ?ا حياة الإنسان وأصل العقيدة.

(22) من أراد حفظ الله من المكروهات والشرور والضرر فإضافة للأسباب المادية على الإنسان أن يحفظ أوامر الله.

(23) من يحفظ أوامر الله يحصل على ثمرتين عظيمتين:

الثمرة الأولى: يحفظه الله من كل مكروه لقوله في جواب الشرط " يحفظك ".

الثمرة الثانية: يعينه الله في أموره المستقبلية ويجلب له الخير لقوله"احفظ الله تجده تجاهك ".

(24) فيه تفسير لمعية الله الخاصة لعبادة المؤمنين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهذه المعية الخاصة في قوله " تجاهك " " أمامك " " يحفظك " " يعرفك في الشدة ".

(25) صلاح الدنيا والآخرة للشخص على قدر حفظه لحدود الله، ولذلك قال في الحديث " احفظ الله يحفظك " وأطلق ولم يقيد الحفظ في المال أو الولد أو الصحة أو الدين، وهذا الإطلاق حتى يشمل جميع ذلك.

(26) إثبات اسم الله " الشكور " حيث أن من معانيه أنه يشكر العبد على أعماله فيعينه عليها أولاً ثم يتقبلها منه ثانياً ثم يجزيه عليها في الدنيا والآخرة فمن جزائه في الدنيا أنه يحفظ العبد وييسره له كل عسير وهذا من شكره سبحانه وتعالى لعبده.

(27) التوجه والسؤال والحاجة لا تترل إّلا بالله وحده، فهو الذي يعطي ويمنع"إذا سألت فاسأل الله ".

(28) قوله " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " مرادف لقوله " ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5] فإن السؤال عبادة لله.

(29) جاء النص على السؤال دون غيره " إذا سألت فاسأل الله " لأن السؤال يجمع مقامات عالية منها: الذل والافتقار والتوجه والمسكنة والخروج من الحول والقوة وإنزال الفاقة بالمسؤول وإحسان الظن به، وا?ام النفس بالقصور، ومعرفة قدرها وأ?ا لا تملك ضرًا ولا نفعاً.

(30) من إحسان الله سبحانه أنه ييسر العبادة للشخص ثم يعينه عليها ثم يجازيه ?ا والشخص لا حول له ولا قوة إّلا بإعانة المولى سبحانه فله الفضل أولاً وآخراً.

(31) يدل الحديث على أن الشخص ضعيف لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة، حتى إعانته نفسه على ما يريد لا يقدر عليه إّلا بإعانة المولى سبحانه.

(32) من أهداف الحديث تقرير مسألتين عظيمتين: الأولى: فقر الإنسان لربه، وأنه لا غنى له عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك وقطع الرجاء بالمخلوقين. الثانية: غنى الله عن جميع المخلوقين وكماله بذاته سبحانه. الخلاصة في شرح الأربعين النووية- علي بن نايف الشحود (ص:57)

فهل تعتقد أن إنساناً تغلب على نفسه كل هذه المعاني عقيدة وشعوراً ووجداناً فتملأها صلابة وقوة يمكن أن تجد الأمراض النفسية إلى نفسه سبيلاً، كلا، وقد اعترف بذلك المنصفون من علماء النفس الحديث. وممن نادى بذلك (وليم جيمس) العالم الأمريكي فقال: إن أعظم علاج للقلق ولا شك هو الإيمان، وقال: الرجل المتدين حقاً عصيٌّ على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف. وقال كارل يونج المحلل النفساني:" إن المرء المتدين حقاً لا يعاني قط مرضاً نفسياً " وأشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الأزمة التي يعاني منها الأوربيون في العصر الحديث إنما ترجع في أساسها إلى الفقر الروحي ومن هذا يتضح لنا أن من أهم وسائل الطب النفسي وقايةً وعلاجاً هو تقوية الإيمان والعقيدة واليقين. الأربعون الطبية (ت) علي بن نايف الشحود (ص:2)

الخلاصة في شرح الأربعين في الزهد · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في شرح الأربعين في الزهدص ٤٣