المبحث السادس والأربعون - أَدَبُ الْمُسْتَفْتِي مَعَ الْمُفْتِي :
يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي حِفْظُ الأَْدَبِ مَعَ الْمُفْتِي ، وَأَنْ يُجِلَّهُ وَيُعَظِّمَهُ لِعِلْمِهِ وَلأَِنَّهُ مُرْشِدٌ لَهُ(1). وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ عِنْدَ هَمٍّ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَل الْقَلْبَ .(2)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالْحُجَّةِ وَالدَّلِيل ؟ فَقَال ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : لَهُ ذَلِكَ لأَِجْل احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ ، وَيَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيل إِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ ، لإِِشْرَافِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ ، وَلاَ يَلْزَمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهِ ، لاِفْتِقَارِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ فَهْمُ الْعَامِّيِّ .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَشَارِحُ الْمُنْتَهَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ : يَنْبَغِي لِلْعَامِّيِّ أَنْ لاَ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالدَّلِيل ، قَال الْخَطِيبُ : فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُهُ لِسَمَاعِ الْحُجَّةِ طَلَبَهَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ، أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ قَبُول الْفُتْيَا مُجَرَّدَةً .(3)
وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ السُّؤَال ، وَالسُّؤَال عَمَّا لاَ يَنْفَعُ فِي الدِّينِ ، وَالسُّؤَال عَمَّا لَمْ يَقَعْ ، وَأَنْ يَسْأَل عَنْ صِعَابِ الْمَسَائِل ، وَعَنِ الْحِكْمَةِ فِي الْمَسَائِل التَّعَبُّدِيَّةِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ بِالسُّؤَال حَدَّ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ ، وَأَنْ يَسْأَل عَلَى سَبِيل التَّعَنُّتِ وَالإِْفْحَامِ وَطَلَبِ الْغَلَبَةِ فِي الْخِصَامِ(4)، لِمَا فِي حديث عَائِشَةَ - رضى الله عنها - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ »(5).
ــــــــــــــــ
(1) - شرح المنتهى 3 / 457، والمجموع 1 / 57 .
(2) - شرح المنتهى 3 / 457 .
(3) - المجموع 1 / 57، وشرح المنتهى 3 / 457 .
(4) - الموافقات للشاطبي 4 / 319 - 321 .
(5) - صحيح البخارى(2457) ومسلم (6951 ) =الخصم : شديد الخصاملا =الألد : شديد الخصومة