تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الواحد والثلاثون - صِيغَةُ الْفَتْوَى:

يَنْبَغِي لِسَلاَمَةِ الْفُتْيَا وَصِدْقِهَا وَصِحَّةِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا أَنْ يُرَاعِيَ الْمُفْتِي أُمُورًا مِنْهَا :

أ - تَحْرِيرُ أَلْفَاظِ الْفُتْيَا ، لِئَلاَّ تُفْهَمَ عَلَى وَجْهٍ بَاطِلٍ ، قَال ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْرُمُ إِطْلاَقُ الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ إِجْمَاعًا ، فَمَنْ سُئِل : أَيُؤْكَل أَوْ يُشْرَبُ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ ؟ لاَ بُدَّ أَنْ يَقُول : الْفَجْرُ الأَْوَّل أَوِ الثَّانِي ؟ وَمِثْلُهُ مَنْ سُئِل عَنْ بَيْعِ رِطْل تَمْرٍ بِرِطْل تَمْرٍ هَل يَصِحُّ ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُطْلِقَ الْجَوَابَ بِالإِْجَازَةِ أَوِ الْمَنْعِ ، بَل يَقُول : إِنْ تَسَاوَيَا كَيْلاً جَازَ وَإِلاَّ فَلاَ ، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَى احْتِمَالٍ بَعِيدٍ ، كَمَنْ سُئِل عَنْ مِيرَاثِ بِنْتٍ وَعَمٍّ ؟ فَلَهُ أَنْ يَقُول : لَهَا النِّصْفُ ، وَلَهُ الْبَاقِي ، وَلاَ يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ قَاتِلَةً لأَِبِيهَا فَلاَ شَيْءَ لَهَا ، وَكَذَا سَائِرُ مَوَانِعِ الإِْرْثِ(1).

عَلَى أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ : أَنْ يَسْتَفْصِل السَّائِل لِيَصِل

إِلَى تَحْدِيدِ الْوَاقِعَةِ تَحْدِيدًا تَامًّا ، فَيَكُونُ جَوَابُهُ عَنْ أَمْرٍ مُحَدَّدٍ ، وَهَذَا أَوْلَى وَأَسْلَمُ ، وَإِنْ عَلِمَ أَيَّ الأَْقْسَامِ هُوَ الْوَاقِعُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى جَوَابِ ذَلِكَ الْقِسْمِ ، ثُمَّ يَقُول : هَذَا إِنْ كَانَ الأَْمْرُ كَذَا ، وَلَهُ أَنْ يُفَصِّل الأَْقْسَامَ فِي جَوَابِهِ وَيَذْكُرَ حُكْمَ كُل قِسْمٍ ، وَلَكِنْ لاَ يَحْسُنُ هَذَا إِلاَّ إنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي غَائِبًا وَلَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ صِفَةِ الْوَاقِعِ ، فَيَجْتَهِدُ فِي بَيَانِ الأَْقْسَامِ وَحُكْمِ كُل قِسْمٍ ؛ لِئَلاَّ يُفْهَمَ جَوَابُهُ عَلَى غَيْرِ مَا يُرِيدُ(2).

ب - أَنْ لاَ تَكُونَ الْفَتْوَى بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ ، لِئَلاَّ يَقَعَ السَّائِل فِي حَيْرَةٍ ، كَمَنْ سُئِل عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْمَوَارِيثِ فَقَال : تُقْسَمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل ، أَوْ سُئِل عَنْ شِرَاءِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ فَقَال : يَجُوزُ بِشُرُوطِهِ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ لاَ يَدْرِي مَا شُرُوطُهُ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ السَّائِل مِنْ أَهْل الْعِلْمِ الَّذِينَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْل هَذَا ، بَل يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ قَوْل الْمُفْتِي جَازَ ذَلِكَ .(3)

ج - يَحْسُنُ ذِكْرُ دَلِيل الْحُكْمِ فِي الْفُتْيَا سَوَاءٌ كَانَ آيَةً أَوْ حَدِيثًا حَيْثُ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ، وَيَذْكُرُ عِلَّتَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ ، وَلاَ يُلْقِيهِ إِلَى الْمُسْتَفْتِي مُجَرَّدًا ، فَإِنَّ الأَْوَّل أَدْعَى لِلْقَبُول بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَفَهْمٍ لِمَبْنَى الْحُكْمِ ، وَذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الطَّاعَةِ وَالاِمْتِثَال ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ فَتَاوَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ الْحِكَمَ(4)، كَحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْعَمَّةِ ، وَالْخَالَةِ ، قَالَ : إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ(5).

َوفِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ فعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِىَ . فَقِيلَ لَهُ وَمَا تُزْهِى قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ . فَقَالَ « أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ »(6).

وَقَال الصَّيْمَرِيُّ : لاَ يَذْكُرُ الْحُجَّةَ إِنْ أَفْتَى عَامِّيًّا ، وَيَذْكُرُهَا إِنْ أَفْتَى فَقِيهًا ، وَإِنْ تَعَلَّقَتِ الْفَتْوَى بِقَضَاءِ قَاضٍ فَيُومِئُ فِيهَا إِلَى طَرِيقِ الاِجْتِهَادِ وَيُلَوِّحُ بِالنُّكْتَةِ ، وَكَذَا إِنْ أَفْتَى فِيمَا غَلِطَ فِيهِ غَيْرُهُ فَيُبَيِّنُ وَجْهَ الاِسْتِدْلاَل .

وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ : لاَ يَذْكُرُ الْحُجَّةَ لِئَلاَّ يَخْرُجَ مِنَ الْفَتْوَى إِلَى التَّصْنِيفِ .(7)

د - لاَ يَقُول فِي الْفُتْيَا : هَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلاَّ بِنَصٍّ قَاطِعٍ ، أَمَّا الأُْمُورُ الاِجْتِهَادِيَّةُ فَيَتَجَنَّبُ فِيهَا ذَلِكَ لِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ « اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَ لاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِى يَجْرِى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِى الْغَنِيمَةِ وَالْفَىْءِ شَىْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِى أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ »(8).

وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ يَجْعَل الصَّوَابَ فِي قَوْل أَحَدِ الْمُخْتَلِفِينَ ، أَمَّا مَنْ يَقُول : كُل مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُول : هَذَا حُكْمُ اللَّهِ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ .(9)

هـ - يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْفُتْيَا بِكَلاَمٍ مُوجَزٍ وَاضِحٍ مُسْتَوْفٍ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْتَفْتِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِسُؤَالِهِ ، وَيَتَجَنَّبُ الإِْطْنَابَ فِيمَا لاَ أَثَرَ لَهُ ، لأَِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَحْدِيدٍ ، لاَ مَقَامُ وَعْظٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ تَصْنِيفٍ .(10)

قَال الْقَرَافِيُّ : إِلاَّ فِي نَازِلَةٍ عَظِيمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِوُلاَةِ الأُْمُورِ ، وَلَهَا صِلَةٌ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، فَيَحْسُنُ الإِْطْنَابُ بِالْحَثِّ وَالإِْيضَاحِ وَالاِسْتِدْلاَل ، وَبَيَانِ الْحِكَمِ وَالْعَوَاقِبِ ، لِيَحْصُل الاِمْتِثَال التَّامُّ .(11)

وَإِنْ كَانَ لِكَلاَمِهِ قَبُولٌ وَيَحْرِصُ النَّاسُ عَلَى الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ ، فَلاَ بَأْسَ بِالإِْطَالَةِ وَاسْتِيفَاءِ جَوَانِبِ الْمَسْأَلَةِ .

ــــــــــــــــ

(1) - شرح المنتهى 3 / 458 .

(2) - المجموع للنووي 1 / 48، وإعلام الموقعين 4 / 255، 256 و187 - 194 .

(3) - إعلام الموقعين 4 / 177، 179 .

(4) - إعلام الموقعين 4 / 160، 259 .

(5) - صحيح ابن حبان - (ج 9 / ص 425)(4116) صحيح

(6) - صحيح البخارى(2198 )

(7) - المجموع للنووي 1 / 52 .

(8) - صحيح مسلم(4619) -تخفر : تنقض العهد =تغل : تسرق من الغنيمة قبل أن تقسم

(9) - إعلام الموقعين 4 / 175، 1 / 39، 44 .

(10) - صفة الفتوى لابن حمدان ص60 .

(11) - الإحكام للقرافي ص364، وانظر مجموع النووي 1 / 49 .

الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد · الصفحة ٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليدص ٧٤