قلت: هذا هو الحق في المسألة. وقد ذكر أبو عمر ابن عبدالبر أن العلماء لم اختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبدالعزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك؛ لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعاً للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضاً على أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث، لقوله تعالى: ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق" انتهى.
وقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار»: "ثم رجعنا إلى تأويل قول الله عز وجل: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ فوجدنا الحرث إنما يطلب منه النسل، وكان النسل موجوداً في الوطء في الفرج، ومعدوماً في الوطء في غيره، فدل أن المراد فيها هو ما أبيح منها، مما يكون عنه النسل، لا ما لا يكون عنه نسل، وهكذا كان الفقهاء الكوفيون جميعاً يذهبون إليه في هذا الباب" انتهى.
وقال ابنُ عبدالهادي في «التنقيح» (3/192): "لا يحلُّ للرجل إتيان المرأة في الدُّبر، ويُحكى عن مالكٍ جواز ذلك، وأكثر أصحابه يُنكرون هذا مذهباً له".