والناس عندما يتقلبون في أقدار الله وقضائه وفي أحوالهم الشخصية والعامة ربما أسند أحدهم الإساءة إلى الله عز وجل وهو لا يدري حقيقة ذلك؛ كأن يقول الإنسان: كيف الله عز وجل جعلني فقيراً وفلاناً ليس فقيراً؛ والذي ليس له عقل ولا حنكة جعله غنياً، وهذا لا شك اعتراض على الله عز وجل، ويدخل في ذلك أيضاً أن يظن الإنسان أن العاصي والطائع يستويان من حيث الأجر والثواب، ومن حيث العقاب والعذاب وغيره، وهذا لاشك سوء ظن بالله تعالى، فكيف يُسَوِّي سبحانه وتعالى بين مختلفين، وكذلك يظن الإنسان أنه إذا بقي في حال المعصية وبقي على حال الطاعة كلاهما سواء في عذاب الله وعقابه وما إلى ذلك؛ فهذا لا شك ظن سوء بالله تعالى، وقُلْ غير ذلك من الأمثلة اليومية في حياة الإنسان التي قد يذكرها بعض الناس، ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله: (فلا يكاد يخلو منها أحد) أي: من جنس الناس لا من المؤمنين؛ فالمؤمن الأصل فيه أنه موحِّد بعيد عن مثل هذه الأشياء.
[قال ابن القيم في الآية الأولى .. ] قال ذلك في كتابه زاد المعاد في المجلد الثالث.
[فُسِّر هذا الظن بأن الله لا ينصر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن أمره سيضمحل .... ]
إلى آخر ما ذكر، وخلاصته أنه يرجع إلى ثلاث صور على ما ذكرناه آنفاً.
[ .. ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له]
التعنت أي: تشدداً ضد القدر؛ ولا شك أن القدر يرجع إلى الله عز وجل.
[وأنه كان ينبغي كذا وكذا فمستقل ومستكثر] أي من جنس بني آدم لا من الموحدين؛ لأن الأصل أن الموحد والمؤمن سالم من ذلك.
[وفتش نفسك هل أنت سالم؟. فإن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ وإلا فإني لا أخالك ناجياً]
(إخال) تنصب مفعولين، وناجياً مفعول ثاني لها، والكاف مفعول أول، والبيت للفرزدق كما في ديوانه، والمقصود أن الإنسان في حياته وتقلباته في قضاء الله وقدره غالباً لا يسلم من الاعتراض على قضاء الله وقدره وغالباً لا يسلم من أن يتعنت مع القضاء والقدر بأن يقول ليس هذا وَفْق الحكمة، وهذا أغناه الله وذاك أفقره، وكيف كان هذا متيناً وكيف كان هذا قصيراً وكيف كان هذا طويلاً وما إلى ذلك، وهذا كله يخالف تمام التوحيد، وربما أضر بأصله عياذاً بالله تعالى.