تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اختلفت كلمة أهل العلم في توجيه هذا الحديث على مذاهب: ــ

ـ الأول: إن المقصود أنهم يهجرون الأسباب من الرقى والاكتواء ونحوهما مع حاجتهم إلى ذلك، وذلك تمام توكلهم قاله الخطابي ـ رحمه الله ـ وصحح هذا القول الإمام النووي وابن الأثير

رحمهما الله، ويورد على هذا القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل الرُقى والكيّ وهو سيّد المتوكلين - صلى الله عليه وسلم -.

ـ والثاني: قالوا: إن السبعين ألفاً سبب دخولهم الجنة بلا حساب ولا عذاب هو ـ كونهم هجروا الاعتماد على الأسباب ـ والتي كانت من عادة الطبائعيين وأهل الجاهلية. ويورد على هذا القول أن جميع الموحدين هم على ذلك، من عدم ركونهم إلى الأسباب والاعتماد عليها كلياً؛ لأن الله هو مسببها.

ـ الثالث: أن السبعين ألفاً قومٌ لا يعرفون الأسباب و الأدوية والاسترقاء والاكتواء، بل هم جاهلون بها وتعلّقت قلوبهم بالله عز وجل، ويورد عليه مباشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم للأسباب من رقي وغيرها.

ـ الرابع: هو أن السبعين ألفاً هجروا الأسباب المكروهة دون الواجبة والمستحبة والمباحة، ففُضلوا على غيرهم. وهذا ما جزم به جمع من أئمة الدعوة.

ـ الخامس: وهو ما جزم به ابن تيميه ـ رحمه الله ـ وهو أن هؤلاء السبعين ألفاً إن وقع بهم شيءٌ من فعل الرقى ومباشرة الأسباب، لكن ذلك لم يكن عن سعي وطلب منهم، ليتفق مع ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - (لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون) إذ الاسترقاء طلب الرقية، والاكتواء طلب الكي، والجاري في العادات ومعاملة الأنفس ميل النفس حالة الطلب إلى الراقي أو الكاوي ونحو ذلك. وصحح هذا القول ابن القيم ـ رحمه الله ـ وجمع من أهل العلم. وذهب الإمام الطبري وغيره إلى التفريق بين مباشرة الأسباب خوف نزول الداء ومباشرتها بعد نزول الداء، فالمكروه الأول دون الثاني، وعليه فإن السبعين ألفاً لم يباشروا الأسباب قبل نزول الداء من استرقاء وكي ونحوهما لتمام توكلهم، ورجَّح هذا القول ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ.

ولعل القول بعدم مباشرتهم الأسباب المكروهة وما قاله ابن تيميه ـ رحمه الله ـ أقرب من غيرها من الأقوال المذكورة، والله أعلم.

قوله [فقام عكاشة بن محصن] يجوز في ضبطه وجهان: التثقيل (عُكاّشة) والتخفيف ... (عُكَاشة) وهو أحد الصحابة المشهورين، وممن شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المشاهد.

قوله [فقال: أُدع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، فقام رجلٌ آخر فقال: أُدع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عُكاشة] جاء في بعض روايات الحديث الصحيحة أنه بعض

إفادة المستفيد بشرح كتاب التوحيد · الصفحة ١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إفادة المستفيد بشرح كتاب التوحيدص ١٨