يقدر على إعادة فعل نفسه. ولو منعنا ذلك، وحكمنا بأنه يجوز منه إعادة فعله، فحينئذ لا يبقى دليلكم ألبتة.
والجواب: أما بيان أن الإعادة جائزة فهو أن جواز الوجود من لوازم الماهية، فلما ثبت جواز إيجاده في بعض الأحوال، وجب أن يدوم ذلك في كل الأحوال. قوله: «إنه نفي محض، فكيف يمكن الحكم عليه بهذا الحكم المخصوص»؟ قلنا: قولكم: بأنه لا يصح الحكم عليه:
حكم عليه بامتناع الحكم عليه. ولما كان عدمه غير مانع من هذا الحكم، فلم لا يجوز أن لا يمنع أيضا من الحكم الذي ذكرناه؟ قوله: «الإعادة ممتازة عن الابتداء، بأمر ما فلم لا يجوز أن يكون ما به الامتياز، شرطا في أحد الطرفين، وإلا لكان ذلك الوصف أيضا مبتدأ، ويلزم التسلسل. وإذا كان ذلك الوصف عدما محضا، امتنع دخوله في المقتضى.
وأما الفرق الذي ذكروه فهو بناء على أصولهم الفاسدة في أنه يمتنع حصول مقدور واحد، بين قادرين. وفي أن القدرة الواحدة في الوقت الواحد، في المحل الواحد، من الجنس الواحد، لا تتعلق إلا بمقدور واحد. وكل هذه الأصول عندنا فاسدة. قوله: «لو ثبت فساد هذا الفرق،
منعنا الحكم، وقلنا: العبد يقدر على الإعادة» قلنا: هذا لا سبيل إليه لأن الأمة مجمعة على أن العبد لا يقدر على إعادة فعل نفسه، فالقول بأنه يقدر على هذه الإعادة يكون خرقا للإجماع.
وباللَّه التوفيق
البرهان الثامن
لو كان العبد موجدا لفعله. لكان إما أن يقصد إيجاده فقط، أو يقصد إيجاده في الوقت المعين. والأول باطل. لأنه لو قصد مطلق الإيجاد من غير أن يقيد ذلك الإيجاد بوقت معين، لم يكن وقوع ذلك الفعل في بعض الأوقات، أولى من وقوعه في الوقت الآخر. فيفضي إلى أن يحصل حدوثه في كل الأوقات، أو إلى أن لا يقع حدوثه في شيء من الأوقات. والكل محال.
وأما الثاني: وهو أن يقال: إنه قصد إلى إيقاع الفعل في الوقت المعين. فهذا أيضا باطل.