تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الأمر كذلك، لما بقي ذلك الاشتباه. وحيث بقي، علمنا: أن حصول هذه العلوم ليس بإيجاده. فظهر: أن اختلاف الناس في هذه المطالب، يدل على أن عقول أكثر الخلق قاصرة عن حضور ماهية الإيجاد والتكوين. وإذا كان كذلك، فكيف يدّعى أن جميع الحيوانات، حتى البهائم والحشرات تقصد إلى الإيجاد والتكوين والإنشاء مع أن حقيقة الإيجاد والتكوين غير متصورة ألبتة عندهم، فإن من المعلوم بالضرورة: أن القصد إلى تحصيل الشيء، لا يمكن إلا عند حصول تصوره في الذهن.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن حقيقة الإيجاد والتكوين متصورة من بعض الوجوه، عند البهائم والحشرات. وإن كان كمال تصور هذه الماهية غير حاصل عندهم. وإذا كان كذلك، كفى ذلك القدر من التصور، في إمكان قصد هذه الحيوانات، إلى الإيجاد والتكوين؟.

والجواب: إن ماهية الإيجاد والتكوين غير متصورة عند الأكثرين من البشر، والأكثرين من البهائم والحشرات. وإذا كانت هذه الماهية غير متصورة عندها، استحال منها أن تقصد إليها وإلى تحصيلها. لأن القصد إلى تحصيل الشيء مشروط بتصوره وحصول الشعور بماهيته.

وباللَّه التوفيق

البرهان السادس

أن نقول: العبد لو صح منه إيجاد بعض الممكنات، لصح منه إيجاد كلها. واللازم محال، فالملزوم محال.

وبيان الملازمة من وجوه:

الأول: إن العبد لو قدر على إيجاد بعض الممكنات، لكان كون ذلك البعض مقدورا.

إنما كان: لكونه ممكن الوجود. فإنا لو رفعنا الإمكان، بقي إما الوجوب، وإما الامتناع. وهما

يحيلان المقدورية، وما يحيل المقدورية لم يفد صحة المقدورية. ولما ثبت أنه لا مدخل لهما في هذا الباب، لم يبق إلا الإمكان. والإمكان قضية مشتركة بين كل الممكنات، فلزم من هذا كون جميع الممكنات مقدورة للعبد.

القضاء والقدر · الصفحة ٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٩٤