تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسبب الثاني من الأسباب الداخلية: اختلاف أحوال الأمزجة. فإن من كان حار المزاج. وخصوصا مزاج الدماغ. فإنه يكون شديد الغضب، مشوش الفكر. ومن كان بارد الدماغ، كان بليدا، ناقص الفكر. ومن كان يابس الدماغ، فإنه تضعف عليه الأفكار لأن دماغه بسبب ما فيه من اليبس، لا يقبل الصور النفسانية، قبولا سهلا. ومن كان رطب الدماغ، فإنه لا يكمل فكره. لأن الصور الدماغية، تصير منحجبة عن الدماغ، زائلة عنه، بسبب ما فيه من الرطوبة (1).

والسبب الثالث من الأسباب الداخلية: اختلاف أشكال الأعضاء. فإن كبر مقدم الرأس، يفيد قوة التخيل. وكبر مؤخر الرأس، يفيد قوة الحفظ. وجودة شكل الرأس، يفيد جودة الفكر، وانتظام الأحوال السياسية. وهذه أمور، من اعتبرها وتتبع أحوالها، عرف أن الأمر كما ذكرناه. وكتب الأخلاق والفراسة والطب، ناطقة بصحة ما ذكرناه (2). دالة على تفاصيل أحوالها، وتعيين أسبابها. فثبت أن اختلاف مراتب هذه الأمور الثلاثة، يوجب اختلاف أحوال القوى المدركة، واختلاف أحوال القوى المحركة. أعني اختلاف الأحوال في السخاوة والبخل، والفظاظة والرقة، والبلادة والذكاء. وأشباهها.

وأما الأسباب الخارجية من ذات الإنسان. فهي أيضا أمور ثلاثة: أولها الألف والعادة

وذلك لأن النفس الناطقة خلقت في مبدأ الفطرة، خالية من العقائد والأخلاق. واستماع الكلام ممن يعظم الاعتقاد في صدقه: يوجب أن يجعل الاعتقاد في حسن ذلك الشيء. ويكون الموجب: موجبا أن يجعل الاعتقاد متأكد الأثر.

إذا عرفت هذا، فنقول: الإنسان إذا سمع في أول عمره، ومبدأ صباه: أن المذهب الفلاني: مذهب حق حسن صواب مرغوب فيه. وأن ضده باطل

(1) يجري الرازي هنا على الرأي القديم القائل بإرجاع أمزجة الناس للطبائع الأربعة الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة. وقد أرجع جالينوس الأمزجة أو الأخلاط إلى أربعة: الدم والمرارة الصفراء والمرارة السوداء والبلغم وهي تمتزج في الشخص امتزاجا متكافئا فيكون الشخص متزن المزاج. لكن يغلب أن تزيد نسبة أي خلط من هذه الأخلاط في امتزاجها فتكون نتيجة هذا الخليط أو المزيج أو المزاج غير المتوازن تكوين أسلوب انفعالي خاص للفرد وهو ما يسمى بالمزاج. فإن زادت نسبة الدم نشأ عن ذلك المزاج الدموي وان زادت نسبة الصفراء كان المزاج الصفراوي أو السوداء فالسوداوي أو البلغم فالبلغمي .. (راجع الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي للدكتور وليم الخولي ص (341)) والمعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا (365) / (2)؛ وعلم الفراسة الحديث لجورجي زيدان ص (34).

(2) راجع علم الفراسة للرازي تحقيق الدكتور يوسف مراد، وعلم الطباع الفرنسي؛ وعلم الفراسة الحديث (ص (149) وما بعدها .. ) ويطلق الآن على علم الملكات العقلية وارتباطها بأمكنة محددة في المخ وبأشكال الجمجمة علم الفرينولوجيا وقد وضع نظريته في ذلك فريزجال (المتوفي سنة (1828)). الموسوعة العربية الميسرة (1299) / (2)).

القضاء والقدر · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٤٩