بالذات والجوهر. ومنها ما تكون قاسية. ومنها ما تكون ميالة بالطبع إلى تحصيل اللذات الجسمانية، نافرة عن طلب السعادة الروحانية. ومنها ما تكون بالعكس من ذلك. حتى أنه لو عرض الدنيا بحذافيرها عليه لم يكن فرحه بها، مثل فرحه باكتساب شيء من العلوم اليقينية، والأخلاق الفاضلة. ومما يدل على ذلك: أنك قد ترى إنسانا يشق الشعرة في التدقيق والتحقيق في مصالح الدنيا، مع أنه يكون في غاية البلادة والبلاهة في العلوم، وقد يكون بالعكس من ذلك. وقد ترى إنسانين أحدهما في غاية الذكاء في هذا العلم، والبلادة في علم آخر. والإنسان الآخر بالضد منه. حتى أنه قد يكون في غاية الذكاء والمنطق، ويكون ناقص القوة في الرياضيات. وبالعكس. بل قد يكون قويا في الهندسة، ضعيفا في الحساب، مع قرب أحد العلمين من الآخر.
وإذا وقفت على ما ذكرناه، أمكنك استقراء أحوال الخلق، وتفاوت طبائعهم، في كون كل واحد منهم مستعدا لصناعة، وبعيدا عن صناعة أخرى. والاستقراء يدل أيضا: على أن ذلك التفاوت ذاتي غريزي جوهري، لا يمكن زواله ألبتة. وإلى هذا المعنى أشار صلوات اللَّه وسلامه عليه بقوله: «الناس معادن. كمعادن الذهب والفضة» (1) وقال أيضا: «الأرواح جنود مجندة» (2).
والخطباء والشعراء يذمون ويمدحون بهذه المعاني فيقولون: فلان له نفس كريمة سخية.
وفلان له نفس لئيمة نذلة ضعيفة. بل لو اعتبرنا وتأملنا، لعلمنا أن تفاوت الخلق في هذه المعاني، قد يكون الأكثر جبليا غريزيا. حتى أن النفس النذلة، لو اجتمع العالمون في إزالة تلك النذالة عنها، فإنها لا تزول. ولا أعني بهذا: أفعال النذالة والخزية. فإن تلك الأفعال قد تتبدل بالتكلف. وإنما أعني به: الأخلاق النفسانية، والملكات الغريزية.
(1) حديث الناس معادن أخرجه مسلم في صحيحه كتاب البرد والصلة باب الأرواح جنود مجندة عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه مرفوعا ((2031) / (4) رقم (2638)) بلفظ «الناس معادن كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» ورواه عنه به أحمد في مسنده ((539) / (2)). ورواه العسكري عن أبي هريرة مرفوعا (انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص (690) وكشف الخفاء للعجلوني (414) / (2)) والحديث له رواية أخرى في الصحيحين.
(2) حديث الأرواح جنود مجندة رواه مسلم في البر والصلة باب الأرواح جنود مجندة ((2031) / (4) رقم (2638))؛ وأبو داود في الأدب باب من يؤمر أن يجالس ((261) / (4) رقم (4834))؛ وأحمد ((295) / (2) و (527) و (539)) كلهم عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه مرفوعا به. ورواه البخاري في صحيحه كتاب الأنبياء باب الأرواح جنود مجندة عن عائشة رضي اللَّه عنها تعليقا ((162) / (4))؛ ووصله في «الأدب المفرد». ورواه الطبراني عن ابن مسعود (الفتح الكبير (506) / (1)) وأخرجه أبو يعلى عن عائشة رضي اللَّه عنها وفيه سبب الرواية (راجع المقاصد الحسنة للسخاوي ص (103) - (105)).