تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما كان العبد قادرا على الفعل ألبتة. وإنما قلنا أنه قادر على الفعل. لأنه إذا قيل لنا: انتقل من هذا المكان إلى ذلك المكان. ثم قيل لنا: اخلق شمسا وقمرا وسماء وأرضا. فإنا ببديهة العقل ندرك التفرقة بين البابين، ونعلم بالضرورة: أنه يمكننا الحركة يمنة، بدلا عن يسرة، وبالعكس. ولا يمكننا خلق الشمس والقمر والسماء والأرض. ولو لا كوننا قادرين على أفعالنا، وإلا لما حصلت هذه التفرقة. وأما إلقاء لفظ الكسب في البين، فلا فائدة فيه. لأنه إن كان قادرا على التحصيل، فقد حصل المطلوب. وإن لم يكن قادرا عليه، فالإلزام المذكور لازم، ولا واسطة بين القسمين. فكيف ينفع في مثل هذا الموضع إلقاء لفظة مجهولة في البين؟.

الحجة الرابعة: لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه لبطل القول بإثبات إله، وبإثبات النبوة. وكون كتب اللَّه المنزلة: حجة. وقد تقدم تقرير هذا الفصل.

الحجة الخامسة: إن اللَّه تعالى عالم بقبح القبائح، وعالم بكونه غنيا عن فعلها. وكل من كان كذلك، امتنع كونه فاعلا لهذه القبائح. وذلك يدل على أنه تعالى ما أوجد هذه القبائح ألبتة.

أما المقدمة الأولى: وهي قولنا: إنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنها، فتقريره يتوقف على إثبات أمور ثلاثة:

الأول: أن القبائح إنما تقبح لوجوه عائدة إليها - وتقريره سيجيء في مسألة الحسن والقبح -.

وثانيها: إنه تعالى غني عن الحاجات.

وثالثها: إنه تعالى عالم بجميع المعلومات. وحينئذ يحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاثة، قولنا: إنه تعالى عالم بقبح القبائح، وعالم بكونه غنيا عنها.

وأما المقدمة الثانية: وهي قولنا: كل من كان كذلك، فإنه لا يفعل القبيح ألبتة.

فتقريره: إن صدور الفعل عن القادر يتوقف على حصول الداعي، والعلم بقبح القبيح مع العلم بالاستغناء عنه: جهة صرف وامتناع. وكون العلم الواحد داعيا صارفا مقتضيا مانعا:

القضاء والقدر · الصفحة ٢٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٤٥