تخطَّ إلى المحتوى

فإن العقلاء يتعجبون منه وينسبونه إلى الحماقة والجنون. ويقولون: إنك تعلم أنه لا يقدر على ذلك الفعل، فكيف تأمره به؟ ولو صح هذا لصح أن يبعث اللَّه رسولا إلى الجمادات مع المعجزات، والكتب والشرائع. لأجل أن يبلغ ذلك الرسول تلك الشرائع إلى تلك الجمادات.

ثم إنه تعالى يخلق الحياة والعقل لتلك الجمادات، ويعاقبها، لأجل أنهم لم يمتثلوا أمر الرسول، حال كونها جمادات. وذلك مما يعلم فساده ببديهة العقل.

واعلم: أنا قد حكينا لهم استدلالهم بما تقرر من هذا الوجه، على أن علم العبد بكونه موجدا لأفعال نفسه: علم ضروري. وذلك الوجه مغاير لهذا الوجه. لأنا في ذلك الوجه استدللنا بحصول العلم الضروري، وبحسن المدح والذم على أن العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا. والآن نستدل بحسن المدح والذم على كون العبد موجدا. فظهر الفرق.

ولا يقال: لم لا يجوز أن يقال: العبد وإن لم يكن موجدا لأفعال نفسه، إلا أنه مكتسب لها ويكفي هذا القدر في حسن المدح والذم؟ لأنا نقول: دخول فعل العبد في الوجود، إما أن يكون من العبد، وإما أن لا يكون منه وهذا تقسيم دائر بين النفي وبين الإثبات، ولا واسطة بينهما. فإن كان فعل العبد في الوجود من العبد، فقد حصل المقصود. وإن لم يكن به، فحينئذ يكون أمره بتحصيل العقل مع أنه لا قدرة له على التحصيل يكون أمرا له لما ليس في وسعه.

وحينئذ تتوجه المحالات المذكورة. وإذا كان ترتيب الدليل على هذا الوجه لم يكن إلقاء لفظ الكسب في البين: دافعا لهذا الإشكال ألبتة. وباللَّه التوفيق.

الحجة الثالثة: لو كان موجد فعل العبد هو اللَّه تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل والترك، تكليفا بما لا قدرة له عليه، واللازم باطل. فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أن العبد لو كان له قدرة على الفعل لكان إما أن يقدر عليه حال ما خلق اللَّه الفعل، أو حال ما لم يخلقه اللَّه. والأول محال. لأن ذلك الفعل لما دخل في الوجود بتخليق اللَّه تعالى، امتنع أن يقدر العبد على تحصيله. لأن تحصيل الحاصل محال. والثاني محال. لأنه تعالى إذا لم يخلق ذلك الفعل، فلو قدر العبد على تحصيله كان هذا تسليما، لكون العبد قادرا على التحصيل والإيجاد، وذلك ينافي قولنا: إنه غير قادر عليه. فثبت: أن غيره قادر عليه. فثبت أن موجد فعل العبد لو كان هو اللَّه تعالى

القضاء والقدر · الصفحة ٢٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.