أن ما أخطأك لم يكن لنصيبك، ولو متّ على غير ذلك، أوجبت النار. قال: ثم أتيت عبد اللَّه بن مسعود، فقال: مثل قوله، ثم أتيت حذيفة بن اليمان، فقال: مثل قوله، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم بمثل ذلك (1) وأما المعتزلة. فإنهم حملوه على العلم والكتابة. وقد سبق جوابه.
الحجة الرابعة عشر: التمسك بالدعاء المروي في صلاة الاستخارة، روى أبو عيسى الترمذي في جامعه (2) بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري. قال: كان رسول اللَّه عليه السلام
يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن. يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة» ثم ليقل: «اللهم اني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعيشتي، وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به» قال: ويسمي حاجته.
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
واعلم: أن الاستدلال به من وجوه:
الأول: إن الفعل الذي يطلب الاستخارة فيه. لا شك أنه قادر عليه، نظرا إلى سلامة الأعضاء، وصحة المزاج. ثم إنه مع ذلك طلب من اللَّه تيسيره له، إن كان له في مصلحة، وصرفه عنه، إن كان له فيه مفسدة. وهذا التيسير والصرف لا معنى له إلا إلقاء داعية الفعل في القلب، أو إلقاء داعية الترك فيه (3). فهذا الحديث يدل على أن صدور الفعل عن العبد، يتوقف على إلقاء
(1) الحديث رواه أبو داود في سننه كتاب السنة باب في القدر ((224) / (4) رقم (4699)) قال: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن وهب بن خالد الحمصي عن ابن الديلمي ... ورواه من هذا الطريق ابن ماجه في سننه في المقدمة باب في القدر ((29) / (1) رقم (77))؛ وأحمد ((182) / (5)، (185)، (189)) ورواه أيضا ابن حبان والطبراني (الفتح الكبير (40) / (3) ومجمع الزوائد (201) / (7)).
(2) حديث الاستخارة هذا رواه البخاري في الدعوات باب الدعاء عند الاستخارة ((101) / (8))؛ والترمذي في الصلاة باب ما جاء في صلاة الاستخارة ((345) / (2) رقم (480))؛ وأبو داود في الصلاة باب في الاستخارة ((91) / (2) رقم (1538))؛ - - والنسائي في النكاح باب كيف الاستخارة ((80) / (6) - (81))؛ وابن ماجه في الإقامة باب ما جاء في صلاة الاستخارة ((440) / (1) رقم (1383))؛ وأحمد ((344) / (3)).
(3) هذا فيما يتعلق بالأمر القلبي، أما فيما يتعلق بالخارج من ناس وأشياء وحوادث وكل ما يلابس فعل الإنسان من خارجه فإن التيسير والصرف يشملها كذلك حتى يتم الفعل أو تنتفي موانعه وتحصل مقتضياته. وذلك لأن الاستخارة إنما تكون لما يريد الإنسان حصوله أو عدم حصوله في الزمان المستقبل وهو مما يختص اللَّه بعلمه وهو سبحانه علام الغيوب. والحديث الذي وردت فيه الاستخارة جاء بأسس ثلاثة للاستخارة: العلم الشامل والكلي للَّه سبحانه أمام علم الإنسان الجزئي والناقص، والقدرة الكلية الشاملة للَّه سبحانه أمام قدرة الإنسان المحدودة أو استطاعته التي لا تقارن بقدرة خالقه عزّ وجلّ. وثالثا: فضل اللَّه العظيم وعطاءه أمام عجز الإنسان واحتياجه. كما أن الاستخارة ترتبط من حيث العمل الإنساني بأمور ثلاثة أيضا: الدين والدنيا والآخرة. فالخير ما اجتمعت فيه هذه الأمور الثلاثة. والشر ما افترقت فيه.