تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: إنه عليه السلام بيّن أن الرجل يعمل بعمل أهل النار، إلا أنه لأجل أنه سبق الكتاب بكونه من أهل الجنة، ينقلب من عمل أهل النار إلى عمل أهل الجنة. وهذا يدل على أنه لا قدرة للعبد، على خلاف حكم اللَّه وعلمه. وذلك يبطل القول بالاعتزال.

فإن قيل: هذا الخبر مشتمل على أمور باطلة، فوجب أن يقال: إنه ليس كلاما لرسول اللَّه. وبيانه من وجوه:

الأول: حكى الخطيب (1) في «تاريخ بغداد» عن عمرو بن عبيد أنه قال: «لو سمعت الأعمش يقول هذا، لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا، ما أجبته، ولو سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول هذا، ما قبلته، ولو سمعت رسول اللَّه يقوله، لرددته، ولو سمعت اللَّه يقول هذا، لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقا» (2).

الثاني: وهو أن هذا الحديث يدل على أن النطفة تبقى نطفة أربعين يوما، ثم تبقى علقة أربعين يوما، ثم تبقى مضغة أربعين يوما. والمشاهدات الطبية دلت على أن الأمر ليس كذلك. فإنه في مدة أربعين يوما يتكون الولد بتمامه، ومشاهدة السقط يدل على هذه الأحوال. وإذا كان هذا الخبر مشتملا على الخطأ، وجب تنزيه منصب النبوة عنه.

الثالث: إن الأمر لو كان كما قرره في كتاب «الجبر» وجب أن يكون الكفار كلهم معذورين. وفي ذلك بطلان نبوته ورسالته. والفرع إذا أدى إلى فساد الأصل، كان باطلا.

سلمنا: صحة الحديث. لكن الحديث لا يدل إلا على أن جميع أفعال العباد بعلم اللَّه وبحكمه. وذلك لا نزاع فيه. لأن مذهبنا أنه تعالى كان عالما في الأزل، بأن «زيدا» سيكون مؤمنا مطيعا، وأن «عمرو» سيكون فاسقا كافرا. وأنه لا يصدر عنهما إلا ما علم اللَّه صدوره منهما، وهذا القدر لا يدل على أنه لا قدرة للعبد على خلافه، لأن العلم لا يقلب الممكن محالا، ولا يخرجه عن حد الجواز.

(1) هو أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي، الحافظ الفقيه المؤرخ والأصولي. ولد بدرزيجان من قرى العراق سنة (392) ه‍و قيل (391) ه‍. ونشأ في بغداد وسمع الحديث وتفقه على المحاملي والقاضي أبي الطيب واستفاد من الشيخ أبي إسحاق وبرع في الحديث حتى صار حافظ عصره. مؤلفاته كثيرة ومشتهرة منها تاريخ بغداد، والكفاية في علم الرواية والفقيه والمتفقه، والجامع لآداب الراوي والسامع .. الخ. توفي الخطيب ببغداد سنة (463) ه‍. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ((32) / (1))؛ معجم الأدباء (13) / (4) - (45)؛ المنتظم (265) / (8)؛ طبقات ابن هداية اللَّه (164) - (166)؛ طبقات السبكي (12) / (3) - (16)؛ تذكرة الحفاظ (312) / (3) - (321)؛ شذرات الذهب (311) / (3) ...

(2) تاريخ بغداد (172) / (12)؛ وانظر ميزان الاعتدال للذهبي (278) / (3).

القضاء والقدر · الصفحة ٢١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢١٢