تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما قوله: «لو لم يحصل ذلك المعلوم لانقلب العلم جهلا، والصدق كذبا» قلنا: لما رجع حاصل الاستدلال إلى هذا الحرف، لم يبق لخصوصية هذا الخبر فائدة فإنه يقال: إنه تعالى علم من كل أحد فعله المعين، فوجب أن لا يقدر على تركه، وإلا لزم انقلاب علمه جهلا. ولا يقال: إنا نستدل بهذا الخبر على أنه تعالى عالم بالجزئيات. لأنا نقول: إثبات النبوة فرع لهذه

المسألة. فلو أثبتناها بقول النبي، لزمه الدّور وإنه محال.

ثم نقول: الإشكال الذي ذكرتم إنما يلزم لو حكم اللَّه بأفعال العباد حكما مطلقا. وهذا ممنوع. بل. عندنا: أنه تعالى يحكم بها مشروطا، فيقول: إن صدرت الطاعة عن «زيد» دخل الجنة، وإن صدرت المعصية عنه دخل النار. وإذا كان هذا الحكم مشروطا، لم يلزم من تغير فعل العبد: تغير علم اللَّه، وتغير حكمه.

حكى الخطيب في تاريخ بغداد: أن رجلا قال لعمرو بن عبيد: أخبرني عن «تبّت» هل كانت في اللوح المحفوظ؟ فقال عمرو: ليس هكذا كانت. بل كانت: «تبت يدا من عمل، بمثل عمل أبي لهب». فقال له الرجل: فهكذا ينبغي أن تقرأ، إذا قمنا إلى الصلاة. فغضب عمرو. وقال له: اعلم أن اللَّه ليس بشيطان، إن علم اللَّه لا يضر ولا ينفع.

والجواب:

أما أن خبر الواحد يقبل في هذه المسألة أم لا؟ فقد تقدم القول فيه. ثم نقول: هذا خبر واحد، تأكد مدلوله بالعقل. وذلك لأنا نرى أن الإنسان قد يكون مواظبا على الكفر والفسق، وأعمال أهل النار، ثم إنه ينقلب مؤمنا برّا تقيا، وقد نرى الأمر على العكس منه. فانقلابه من الحالة المتقدمة إلى الحالة الأخرى المضادة لها. لا شك أنه من الجائزات الممكنات.

فإن وقع ذلك الممكن، لا لمرجح، لزم نفي الصانع، وإن كان لمرجح. فذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال فيه، وإن كان من اللَّه، فقد حصل المطلوب. فثبت: أن هذا البرهان العقلي القاهر يدل على أن المواظب على أعمال أهل النار، إنما ينقلب مؤمنا لأن القضاء الإلهي، وجب قلبه من إحدى الحالتين إلى الأخرى. وهذا هو المراد من قوله صلى اللَّه عليه وسلم: «فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة» والمراد من الكتاب: إلقاء داعية ذلك الفعل في قلبه. لأن قلب العبد يجري مجرى اللوح. وإلقاء تلك

القضاء والقدر · الصفحة ٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢١٣