تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يحصل القدر إلا مع التخليق والتكوين. وإن حمل على علم اللَّه بكيفية أفعال العباد، فالجبر أيضا لازم. لما ثبت: أن خلاف معلوم اللَّه: محال الوقوع.

وأما قوله: «الإيمان بالقدر، محمول على أن خالق اللذات والآلام، هو اللَّه» قلنا: هذا ضعيف. لأن قولنا: لا إله إلا اللَّه، تصريح بنفي الإلهين. وذلك يدل على أن خالق المنافع والمضار، هو اللَّه. فلما أوجب بعده الإيمان بالقدر، وجب أن يكون المراد من القدر شيئا آخر، سوى ذلك. وما ذاك إلا الإيمان بأن الطاعات والشرور كلها من اللَّه.

وأما قوله: «المراد من ذلك: إثبات أن القدر من العبد» قلنا: هذا مدفوع بما أنه جاء في بعض الروايات: «وأن تؤمن بأن القدر خيره وشره من اللَّه».

وأما قوله: «مذهب علي بن أبي طالب، نفي الجبر، والراوي إذا خالف روايته دل على ضعف في الرواية» قلنا: لا نسلم أن مذهب «عليّ» ما ذكرتم. وسيأتي تقريره، إن شاء اللَّه تعالى.

الحجة الثالثة: روى الشيخان في الصحيحين (1) بإسنادهما عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: سمعت عبد اللَّه بن مسعود، يقول: حدثنا رسول اللَّه عليه السلام، وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه، أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه إليه الملك بأربع كلمات. فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد» قال: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعلم أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها».

والاستدلال بهذا الخبر من وجهين:

الأول: إنه تعالى لما حكم به بأنه شقي، امتنع أن يصير سعيدا، وإلا لزم أن ينقلب الخبر الصدق: كذبا، وأن ينقلب العلم: جهلا. وكل ذلك محال.

(1) الحديث رواه البخاري في القدر باب في القدر ((152) / (8))؛ وفي بدء الخلق باب ذكر الملائكة ((135) / (4))؛ وفي الأنبياء باب خلق آدم وذريته ((161) / (4))؛ وفي التوحيد باب (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) ((165) / (9))؛ ورواه أيضا مسلم في القدر باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ((2036) / (4) رقم (2643))؛ وأبو داود في السنة باب في القدر ((227) / (4) رقم (4708))؛ والترمذي في القدر باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم ((446) / (4) رقم (2137))؛ وابن ماجه في المقدمة باب في القدر ((29) / (1) رقم (76))؛ وأحمد ((382) و (430)).

القضاء والقدر · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢١١