تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يبق سوى العدوان، ... دناهم كما دنوا

وفي الشر نجاة حين ... لا ينجيك إحسان

إذا ثبت هذا فنقول: المراد بالقدر خيره وشره: ما ذكرناه. وذلك لأن الثنوية (1) أثبتوا للعالم صانعين. أحدهما: يفعل اللذات والراحات. والآخر: يفعل الآلام والأسقام، فشرط النبي عليه السلام في الإيمان: حصول الإيمان، بأن فاعل الكل، هو اللَّه - سبحانه -.

سلمنا: أن المراد من الخير والشر: الطاعة والمعصية. إلا أن قوله: «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» ليس فيه بيان أن المعتبر هو الإيمان، بأن قدر الخير والشر من اللَّه، أو من العبد.

فنحن نقول: المراد: أن قدر الطاعات والمعاصي من العبد، وأنتم تقولون: المراد: أنه من اللَّه.

فلم كان قولكم أولى من قولنا؟ والذي يؤكد قولنا: أنكم تزعمون أن القدرية هم المعتزلة،

لأجل أنهم أثبتوا القدر لأنفسهم، ونحن نقول: القدرية هم المجبرة، لأنهم أثبتوا القدر للَّه.

فعند هذا قلتم: إن تسمية من ثبت القدر لنفسه بالقدري، أولى من تسمية من ثبت القدر لغيره بالقدري. وإذا كان الأمر كذلك. فاقبلوا هاهنا مثل هذا الكلام. وهو أن نقول: حمل قوله:

«وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» على إثبات القدر للنفس، أولى من حمله على إثبات القدر للغير.

وأيضا: فالأركان الثلاثة المتقدمة. وهي إثبات الربوبية، وإثبات النبوة، وإثبات المعاد، لا تتم إلا بإثبات العبودية للعباد، وذلك لا يتم إلا أن يكون تقدير الطاعات والمعاصي، بحسب اختيار العباد. فلما ذكر الأركان

(1) الثنوية، وهم يقولون بأصلين اثنين للعالم: وهما النور والظلمة وهما أزليان .. وقد تفرقوا فرقا: فمنهم المانوية أتباع ماني بن فاتك (توفي سنة (279) م) الذي ظهر في فارس في زمن سابور بن أردشير ومنهم الديصانية أتباع ديصان، والمرقونية أتباع مرقيون من كبار الغنوصيين أو العرفانيين المسيحيين، والمزدكية أتباع مزدك بن نامدان كان موبذ موبذان وكلها أديان وفرق فارسية غنوصية لها خلاف حول الأصلين النور والظلمة. وانظر تفاصيل آرائها في: الملل والنحل للشهرستاني (244) / (1) - (254). اعتقادات الرازي ص (121) - (124)؛ المنية والأمل لابن المرتضى ص (60) (وقد زاد على هذه الأربعة الماهانية والكيسانية والصافية والمهراكية والمجوس)، ونشأة الفكر الفلسفي للدكتور النشار (189) / (1) - (197).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٠٩