عليه وسلم وجد النبي في إرشادهم وتعليمهم. وأما أبو هريرة فإنه لم يصل إلى خدمة النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلا مدة قليلة. وهو في نفسه، ما كان زائدا في الذكاء والفطنة على أبي بكر وعلي.
ثم إنه روى ألفي خبر، وأكثر (1). وهو نصف الصحاح. وهذا يدل على الطعن الشديد.
لأنه لو قدر في تلك المدة القليلة على تحصيل هذه العلوم الكثيرة، مع أن أبا بكر وعليا، ما قدرا
على عشر تحصيل تلك العلوم، في المدة الطويلة، لوجب القطع بأن أبا هريرة، كان أفضل منهما، وأكثر علما منهما. ومعلوم أن ذلك باطل.
ولا يقال: إن سائر الصحابة كانوا مشغولين بالتجارات، وطلب الدنيا، وأن أبا هريرة كان ملازما للنبي صلى اللَّه عليه وسلم.
لأنا نقول: إن أبا بكر ترك التجارة بالكلية، واشتغل بخدمة النبي. وفي زمان الإمامة، كان مقدم الأمة، والمرجوع إليه في حل المشكلات، وإزاحة المعضلات. فكان هو أولى بالرواية. فحيث لم يفعل ذلك، علمنا أن تركه هذه الروايات كان أولى. باتفاق أكابر الصحابة.
وحينئذ يتوجه الطعن في أبي هريرة.
الوجه الرابع في تقرير هذا الطعن: إنه ليس في جملة الأخبار الصحيحة خبر أظهر ولا أشهر عند المحدثين من الخبر المشتمل على شرح الإسلام والإيمان والإحسان. ثم إنه اضطرب هذا الخبر، اضطرابا شديدا، بسبب ما فيه من الزيادات والنقصانات. ونحن نذكر القدر الذي ذكره الشيخ أبو بكر الجوزقي (2) في كتابه الذي سماه بالمتفق بين الشيخين. وهو أول خبر
(1) روي له في الصحيحين ((609)) حديثا. اتفق الشيخان البخاري ومسلم على ((326)) حديثا. وروى له أصحاب الكتب الستة والإمام مالك ((2218)) حديثا. أي أن له في السنن الأربعة وفي موطأ الإمام مالك ((1609)). (المصدر السابق ص (172) - (173)).
(2) هو أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن زكريا الجوزقي نسبة إلى جوزق من قرى نيسابور الشيباني النيسابوري. محدث حافظ ((306) ه- (388) ه) قام برحلة علمية طويلة، بمصاحبة عمه. ومن آثاره: المتفق الكبير، الجمع بين الصحيحين، الصحيح المخرج على صحيح مسلم، المتفق والمفترق .. (راجع ترجمته في: اللباب لابن الأثير (251) / (1)، الوافي بالوفيات (316) / (3)؛ طبقات السبكي (169) / (2)؛ شذرات الذهب (129) / (3)، النجوم الزاهرة (199) / (4)، تذكرة الحفاظ (1014) / (4)) هدية العارفين (56) / (2)، الأعلام (99) / (7)، معجم المؤلفين (240) / (1)، تاريخ التراث العربي (347) / (1).