فذكروا ذلك لأبي هريرة. فقال: هما أعلم بذلك. أنبأني بهذا الخبر: الفضل بن عباس. واتفق أنه كان ميتا في ذلك الوقت.
وثانيها: أنه لما روى قوله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم فلا يغمسن يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا» (1) قال ابن عباس كالمنكر لقوله: فما تصنع بمهر أستا؟.
وثالثها: ما روي أن عمر رضي اللَّه عنه منع أبا هريرة عن الرواية، وعلاه بالدرة (2).
فنقول: أبو هريرة إن كان صادقا في تلك الروايات، صار عمر مطعونا فيه، بسبب ذلك المنع، وإن كان متهما فقد صار أبو هريرة مطعونا فيه.
ورابعها: إن أبا هريرة، كان يقول: «حدثني خليلي أبو القاسم» فمنعه علي بن أبي طالب. وقال: متى كان خليلا لك؟ (3).
وخامسها: إن البراء بن عازب، طعن في أبي هريرة. وقال: سمعنا كما سمعوا. ولكنهم حدثوا بما لم يسمعوا (4).
وسادسها: إن الأفاضل الذين صحبوا من أول المبعث إلى آخر الوفاة، ما حدثوا إلا قليلا. كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي اللَّه عنهم - مع كثرة علومهم وقوة خواطرهم، وشدة ملازمتهم لحضرة النبي صلى اللَّه
(1) حديث «إذا استيقظ أحدكم ... » رواه البخاري في الوضوء باب الاستحجار وترا ((52) / (1)) ومسلم في الطهارة باب كراهة غمس المتوضّئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا ((233) / (1) رقم (278)) ومالك ((21) / (1)) وأبو داود ((25) / (1) - (26) رقم (103) - (15)) والترمذي ((36) / (1) رقم (24)) والنسائي ((6) / (1) و (7)) وابن ماجه ((138) / (1) رقم (393)). وليس فيه هذه الزيادة المنقولة عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما.
(2) «لم يثبت قط أن عمر رضي اللَّه عنه ضرب أبا هريرة بدرته لأنه أكثر الحديث عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم» (أبو هريرة راوية الإسلام لمحمد عجاج الخطيب). وقد رد المؤلف هذه الرواية وضعفها. وهي منقولة عند الشيعة. وهم يطعنون في أبي هريرة رضي اللَّه عنه. قلت: ولو ثبت هذا فهو محمول على تصرف الإمام فيما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين. وقد - - كان عمر رضي اللَّه عنه يخشى على الحديث من أمرين: الوضع والكذب على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. ومن اختلاط الحديث بالقرآن. فتصرفه من باب سد الذرائع - هذا إن صح .. ونقل أن عمر رضي اللَّه عنه أذن له في التحديث بعد أن عرف ورعه وخشيته الخطأ. وقال له: أما إذا فاذهب فحدث. أو قال: حدث الآن عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ما شئت. وفي رواية: أمالي فاذهب فحدّث. (راجع المصدر نفسه ص (273) و (274) عن البداية والنهاية (107) / (8) وسير أعلام النبلاء (434) / (2) وابن عساكر (487) / (47).
(3) ينقل ذلك ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» ((27) و (51)) من طريق النظام. ويرد عليه بأن الخلة نوعان أحدهما ألطف من الآخر. فمن الخلة التي هي أخص قول اللَّه تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً. وقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». وأما الخلة التي تعم فهي التي جعلها اللَّه تعالى بين المؤمنين فقال: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). فعلي رضي اللَّه عنه يقصد النوع الأول. (المرجع السابق ص (278) - (279)).
(4) ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ما يعارض ذلك عن طلحة بن عبيد اللَّه إذ قال: «إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل. كنا نأتي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم طرفي النهار وكان مسكينا ضيفا على باب رسول اللَّه يده مع يده فلا تشك وأنه سمع ما لم نسمع ولا تجد أحدا فيه خير يقول على رسول اللَّه ما لم يقل» ((436) / (2)). قال في رواية «قد سمعنا كما سمع ولكنه حفظ ونسينا» (فتح الباري (77) / (8)).
وروي أيضا عن أبي أيوب الأنصاري قوله «إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع وأني أن أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يعني ما لم أسمعه منه» (البداية والنهاية (109) / (8) وسير أعلام النبلاء (436) / (2)). وروي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما أنه قال: أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأحفظنا لحديثه» (البداية والنهاية (107) / (8) وطبقات ابن سعد (118) / (2).
وانظر أبو هريرة (ص (148) - (150)).