في تلك المهمات على الوجه الأبلغ الأحسن. ولا يمكن حمل هذا التيسير على الإقدار، وإزاحة العلل والأعذار. لأن كل ذلك، كان حاصلا قبل هذا الدعاء. فوجب حمل هذا السؤال على خلق المعرفة والطاعة.
الحجة الثالثة عشر: قوله تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً (1) والاستدلال بهذه الآية من وجهين:
الأول: إنه تعالى إن كان لا يزيغ القلوب ألبتة، ولا يجوز أن يصدر عنه هذا الفعل، كان هذا الدعاء طلبا لتحصيل الحاصل. وهو محال.
الثاني: إن القلب صالح، لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر. ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا لمرجح. وذلك المرجح هو حدوث داعية وإرادة في القلب. ولا يمكن أن يكون حدوث تلك الإرادة، لإرادة أخرى. وإلا وقع التسلسل. فهي إرادة تحدث بإحداث اللَّه تعالى. ثم تلك الداعية وتلك الإرادة. إن كانت داعية الكفر. فهي الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والدين والقسوة والوقر والكنان. وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن.
وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان، فهي التوفيق والإرشاد والهداية والتسديد والعصمة.
وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن.
وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» (2) والمراد من هاتين الإصبعين: هاتان الداعيتان (3). فكما أن الشيء الذي يكون بين إصبعي الإنسان يقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الإصبعين فكذلك القلب لوقوعه بين داعيتي الفعل والترك يتقلب كما يقلبه الحق - سبحانه - بواسطة تينك الداعيتين. ومن أنصف ولم يتعسف، وجرب نفسه، وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس. ولو جوّز العاقل حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث، لزمه نفي الصانع.
(1) سورة آل عمران الآية (8).
(2) سيأتي تخريجه.
(3) عمد الرازي إلى تأويل الإصبعين بالداعيتين برغم عدم ورود هذا المعنى شرعا أو عرفا أو لغة. وإنما لجأ إلى المجاز. والبعض أول الإصبعين بالقدرة. وأنه غير مقصود بها التثنية والجمع. والحديث لم يرد فقط بصيغة الأفراد (قلب) وإنما جاء في بعض رواياته (قلوب بني كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء). وفيه صعوبة التأويل بالداعيتين - الإيمان والكفر - وموقف السلف والخلف تجاه هذه النصوص معروف. وهو أنها من المتشابهات فبعضهم فوّض وبعضهم أول بالاستناد إلى اللغة وبعضهم أول بالاستناد إلى علم الكلام ومقدماته في التنزيه. وبعضهم أثبت ذلك وأعطى المعنى كيفا غير محسوس.