تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«يلزم منه تكليف ما لا يطاق» فهذا أيضا وارد على مذهب الجبرية. لأنه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يأمره بالإيمان. فكذا هاهنا. فثبت: أنه لا سبيل إلى إثبات هذه المقدمة على مذهب الجبرية. ومتى تقيد إثباتها، فقد تعذر الاستدلال بالقرآن والأخبار.

الوجه الثالث في تقرير هذا المطلوب: إن مذهب الجبرية: أنه تعالى هو الذي يخلق الكفر في الكافر ويريده، وكل من أراد شيئا، فإنه أيضا يريد كل ما أفضى إليه. ومعلوم: أن التلبيس والتدليس وإطلاق اللفظ لإرادة غير معناه مما يفضي إلى حصول الجهل والضلال. وذلك يقتضي على مذهب الجبرية أنه تعالى أراد بهذه الألفاظ غير ظواهرها، ومع هذا الاحتمال كيف يمكن التمسك بالقرآن؟.

واعلم: أن للمعتقد في الجواب أن يقول: هذه الإلزامات أيضا واردة عليكم وذلك وإن نفينا في حق اللَّه تعالى. إلا أن الوجوه العشرة التي ذكرناها قائمة. ومع تلك الوجوه العشرة لا يبقى شيئا من الدلائل اللفظية: يقينية. فهذا جملة الكلام في هذا الموضع.

واعلم: أن جوابنا عن مجموع هذه السؤالات أن نقول: رأينا المعتزلة ملئوا كتبهم من الاستدلال بالآيات والأخبار، على أن العبد موجد لأفعال نفسه. فنقول: جواز التمسك بالدلائل السمعية. إما أن يكون موقوفا على العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه، أو لا يكون موقوفا عليه. فإن كان الأول كان إثبات كون العبد موجدا بالدلائل السمعية، إثباتا للأصل بالفرع وإنه يوجب الدور. وإن كان الثاني، فحينئذ لا يلزم من القدح في كون العبد موجدا، تعذر الاستدلال بالآيات والأحاديث. فإن قالوا: مقصودنا من ذكر الآيات والأحاديث في بيان كون العبد موجدا: ليس هو إثبات ذلك في نفس الأمر، بل مقصودنا: إلزام الخصم.

وذلك لأن المجبرة لما كانوا معترفين بأن القرآن حجة. فإذا ثبت أن القرآن يدل على كون العبد موجدا لأفعال نفسه، فقد حصل الإلزام. فنقول: فاقبلوا منّا مثله. فإن المعتزلة لما سلّموا أن القرآن حجة، ثم دل القرآن على أن موجد أفعال العباد هو اللَّه تعالى. فحينئذ يحصل الإلزام والإفحام. فثبت: أن ما ألزموه علينا، لازم عليهم.

وباللَّه التوفيق

القضاء والقدر · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٢١