كان مستجمعا لجميع الجهات المعتبرة في المؤثرية، فإنه يمتنع تخلف الأثر عنه فإذا كانت تلك البديهيات غير مقدورة ألبتة، وكان استلزامها لهذه النظريات استلزاما ضروريا، غير داخل تحت الاختيار. وجب القطع بأن هذه النتائج غير داخلة تحت القدرة والاختيار. وأما إن قلنا: إن تلك البديهيات غير مستجمعة لجميع الجهات المعتبرة في استلزام هذه النظريات، فحينئذ لا بد من ضم أمور أخرى إليها. وتلك الأمور. إما أن تكون من العلوم البديهية، أو من العلوم الكسبية. والأول باطل لأنا فرضنا حصول جميع العلوم البديهية. والثاني أيضا باطل. لأن كلامنا في كيفية استلزام البديهيات لأول المكتسبات. وعلى هذا التقدير، يلزم أن يحصل قبل أول المكتسبات: مكتسب آخر. وذلك محال. لأن الذي يكون موصوفا بأنه أول المكتسبات، يمتنع أن يحصل قبله مكتسب آخر. فثبت بما ذكرنا: أن البديهيات غير داخلة تحت القدرة. وثبت: أن استلزامها للمكتسب الأول غير داخل تحت الوسع. واستلزام المكتسب الأول للمكتسب الثاني، غير داخل أيضا تحت القدرة.
وهلم جرا. في جميع المراتب. بالغة ما بلغت. فثبت: أن شيئا من العلوم والمعارف غير واقع بقدرة العبد واختياره.
وهو المطلوب
البرهان الثاني على هذا المطلوب
إن العلم إما تصور، وإما تصديق.
وذلك لأنا إذا أدركنا أمرا من الأمور، فإما أن نحكم عليه بحكم وإما أن لا نحكم عليه بحكم. فإن لم نحكم عليه بحكم، فذاك هو التصور، وإن حكمنا عليه بحكم، فذاك هو التصديق. إذا عرفت هذا الحصر. فنقول: إنه لا يمكن اكتساب شيء من التصورات ويدل عليه وجوه:
الأول: إنا إذا حاولنا اكتساب شيء آخر من التصورات فحال ما نحاول ذلك الاكتساب، إما أن يكون لنا شعور بماهية ذلك المطلوب، أو لا يكون لنا به شعور، فإن كان لنا به شعور فحينئذ يكون تصوره حاضرا عندنا. والحاصل لا يمكن تحصيله. وإن لم يكن لنا به شعور، كان الذهن غافلا عنه. والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالبا له.