…إن استخلاف عمر معاوية رضي الله عنهما على الشام ، لاشك منقبة لمعاوية ، لأن عمر كان شديد التحري في اختيار واصطفاء الأمراء الصالحين ، وأقره على استخلافه عثمان بن عفان – رضي الله عنهم – فلم ينزله ولم يعزله .
قال الذهبي :" وقال خليفة : ثم جمع عمر الشام كلها لمعاوية ، وأقره عثمان . قلت : حسبك بمن يُؤمِّره عمر ، ثم عثمان على إقليم – وهو ثغر – فيضبطه ، ويقوم به أتم قيام ، ويرضى الناس بسخائه وحلمه ... فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله ، وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه ... ، وكان محببا إلى رعيته ، عمل نيابة الشام عشرين سنة ، والخلافة عشرين سنة ، ولم يهجه أحد في دولته ، بل دانت له الأمم وحكم على العرب والعجم ، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق ، وخراسان وفارس والجزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك " سير أعلام النبلاء 3/133 .
من فضائله تسليم الحسن بن علي الخلافة إليه :
…مما لا شك فيه أن تسليم الحسن بن علي الخلافة إليه مع أن أكثر من أربعين ألفاً بايعوا الحسن على الموت ، فلم يكن أهلاً لها لمّا سلمها السبط الطيب إليه ،ولحاربه كما حاربه أبوه – رضي الله عنهم أجمعين – وعن أولادهم .
…
حلمه وسؤدده :
…عندما ولي معاوية الشام كانت سياسته مع رعيته من أفضل السياسات ، وكانت رعيته تحبه ويحبهم ، قال قبيصة بن جابر :" ما رأيت أحداً أعظم حلماً ولا أكثر سؤدداً ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجا ولا أرحب باعاً بالمعروف من معاوية "
…
وقال بعضهم :" أسمع رجلٌ معاويةَ كلاماً سيئاً شديداً ، فقيل له لو سطوت عليه ، فقال إني لأستحي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد رعيتي " .
الشبه التي أثارها المبتدعة في حق معاوية :
· قالت الرافضة : معاوية خرج عن الحاكم وقاتل عليا يريد أن يستأثر بالخلافة وأن قتاله لعلي كفر وقد قتال النبي – صلى الله عليه وسلم – عن عمار " تقتله الفئة الباغية " :
الجواب : الرد على ذلك من عدة وجوه :
أولاً : إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل ، بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة والجماعة هو الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة ، وهذا مبسوط في عامة كتب أهل السنة في العقيدة ، كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ، والسنة لابن أبي عاصم ، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني ، والإبانة لابن بطة ، والطحاوية ، وغيرها .
ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة ، وذلك بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك مثله ، لصغر سنه أو لحداثة عهده بالدين . . . لحقيقة ما حصل بين الصحابة ، واختلاف اجتهادهم في ذلك ، فيقع في الفتنة بانتقاصه للصحابة من حيث لا يعلم .
وهذا مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف ، وهي إلا يعرض على الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم .
قال الإمام البخاري رحمه الله : (( باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا )) . وقال علي رضي الله عنه : (( حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله )) .
وقال الحافظ في الفتح تعليقا على ذلك : (( وفيه دليل على ان المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة . ومثله قول ابن مسعود : ( ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) . ( رواه مسلم ) .
دع ما جرى بين الصحابة في الوغى……بسيوفهم يوم التقى الجمعان
فقتيلهم وقاتلهم لهم……وكلاهما في الحشر مرحومان والله يوم الحشر ينزع كلما……تحوي صدورهم من الأضغان
قال عبد الله بن الإمام أحمد : " حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل بن علية ،حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال:" هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ، فما حضرها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين " .
قال ابن تيمية : " وهذا الإسناد من اصح إسناد على وجه الأرض ، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته ، ومراسيله من أصح المراسيل " . ( منهاج السنة 6 / 236 ) .
ثانياً : الخلاف بين علي ومعاوية هو مقتل عثمان وليس من أجل الخلافة ، كما يدعي الرافضة :
…لما انتهى علي – رضي الله عنه – من أهل الجمل فقال : لا بد أن يبايع الآن معاوية ، وجهز الجيش لمقاتلة معاوية أو يبايع ، وكان معاوية قد رفض البيعة .
…فخرج علي بجيش قوامه 100 ألف في صفين .
…ومعاوية لم يطالب الحكم ، فعن أبي مسلم الخولاني :" أنه دخل على معاوية فقال له : أنت تنازع علياً أأنت مثله ؟ فقال معاوية : لا والله إني لأعلم أن علياً أفضل وأحق ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً ؟ وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه فأتوا علياً فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان وأُسلِّم له الأمور ، فَأَتوا عليا فكلموه فأبى عليهم ولم يدفع القتلة ". ( وهذه الرواية إسنادها صحيح كما في تاريخ الإسلام للذهبي ) .
فهذا يؤكد على أن الخلاف بين علي ومعاوية هو مقتل عثمان وليس من أجل الخلافة ، كما يدعي الرافضة ، والقضية اجتهادية ،فلم يقل معاوية إنه خليفة ولم ينازع عليا الخلافة أبداً .
ثانياً : معاوية كان متأولاً وقد استند إلى النصوص الشرعية ، والتي تظهر أن عثمان يقتل مظلوماً ويصف الخارجين عليه بالمنافقين ، وهو ما رواه الترمذي وابن ماجه عن عائشة قالت : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :" يا عثمان ! إن ولاك الله هذا الأمر يوما ، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه – قالها ثلاث مرات - :" …وكان معاوية يقول إن ابن عمي قتل ظلماً وأنا كفيله والله يقول ﴿ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً ﴾.
ثالثاً : المتأول المخطئ مغفور له بالكتاب وبالسنة ، قال تعالى ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ وثبت في الصحيح أن الله عز وجل
قال :" قد فعلت " ( مسلم ) .وقال – صلى الله عليه وسلم - :" إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان " رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
رابعاً : تناقض الرافضة فهم يعظمون من قاتل مع علي – رضي الله عنه - ، ويمدحون من قتل عثمان ، مع أن الذم والإثم لمن قتل عثمان أعظم من الذم والإثم لمن قاتل عليا ، فإن عثمان كان خليفة اجتمع الناس عليه ، ولم يقتل مسلما .
خامساً :كان الصواب أن لا يكون فتالاً ، وكان ترك القتال خير للطائفتين ، فليس في الاقتتال صواب ، ولكن علي – رضي الله عنه – كان أقرب للصواب إلى الحق من معاوية ، والقتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب ، وكان ترك القتال خيرا للطائفتين ، ومع أن علياً كان أولى بالحق ، وهذا القول هو قول الإمام أحمد وأكثر أهل الحديث وأئمة الفقهاء ، وهو قول أكابر الصحابة – كما نقل ذلك شيخ الإسلام في المنهاج – وهو قول عمران بن حصين – رضي الله عنه – وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال ، ويقول :" هو بيع السلاح في الفتنة " وهو قول أسامة بن زيد ، ومحمد بن مسلمة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار – رضي الله عنهم - .
سادساً : لذلك كان مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة ، فإنه قد ثبتت فضائلهم ، ووجبت موالاتهم ومحبتهم ، وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان ، ومنه ما تاب صاحبه منه ، ومنه ما يكون مفغورا ، فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضا وذما ،ويكون هو في ذلك مخطئا بل عاصيا فيضر نفسه .
سابعاً : هذا القتال قتال فتنة ، قال الزهري – رحمه الله - :" وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متوافرون ، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر " .
ثامناً : الكتاب والسنة دلت على أن الطائفتين مسلمون ، وأن ترك القتال كان خيراً من وجوده قال تعالى ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ﴾ فسماهم الله مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي .
- ( يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ) :
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية : و جماهير أهل السنة متفقون على أن علياً أفضل من طلحة و الزبير فضلاً عن معاوية وغيره . المنهاج (4/358 ) .
- و قال رحمه الله عند الكلام على حديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " . حديث صحيح متفق عليه و اللفظ للبخاري .
- قال : " و هذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي و وجوب طاعته و إن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة ، وأن الداعي إلى مقاتلته داع إلى النار ، و هو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي ، و على هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولاً أو باغ بلا تأويل و هو أصح القولين لأصحابنا ، و هو الحكم بتخطئة من قاتل علياً و هو مذهب الأئمة والفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين " . مجموع الفتاوى 4/437.
- وقال رحمه الله :" ثبت بالكتاب و السنة إجماع السلف