الشيخ عبد الله بن حميد – رحمه الله - : " فإذا غربت عليه الشمس وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد بعد الزوال ، لقول عمر :" من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس " ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين ، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى وقد ارتحل أو كان مشتغلاً بنقل أثاثه من خيام وغيره فلا يلزمه المبيت ،لأنه قد أخذ في التعجل "[23]
الشيخ صالح الفوزان : " فالتعجل معناه أن يخرج وينفر من منى بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر بعد الزوال من قبل غروب الشمس ،هذا التعجل ، وإذا أدركه الغروب ولم يرحل من منى فإنه يتعين عليه المبيت فيها ليلة الثالث عشر والرمي في اليوم الثالث عشر بعد الظهر ، والله أعلم "[24]
الترجيح :
· قول الظاهرية في هذه المسألة هو أقرب للصواب والله أعلم وذلك للأمور الآتية :
· أولاً : ظاهر الآية يدل على جواز التعجل في يومين ، والآية مطلقة فما ورد عن الشارع مطلقاً لا يجوز إدخال أي قيد من القيود إلا بدليل ، أما قولهم إن الله تعالى قال ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾[25] ولم يقل : في يومين وليلة[26]، فيجاب على ذلك بأن الله تعالى قال في بداية هذه الآية ﴿واذكروا الله في أيام معدودات ﴾[27] ولم يقل في أيام وليالي معدودات، والمراد بقوله تعالى في أيام : أي الأيام والليالي المعدودات،إذ الذكر المقصود هنا ما كان النحر ومن رمي الجمار ، والتكبير أدبار
الصلوات .
· ثانياً : الأصل براءة الذمة وعدم إلزام الناس بشيء إلا بما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم - ، فقد ثبت في السنن " أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديا فنادى : الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "[28] قال ابن عيينة : "هذا أجود حديث رواه سفيان" وقال وكيع :" هذا الحديث أم المناسك"[29] ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – لا يترك البيان وقت الحاجة ، وإن ما ورد عن الشارع مطلقاً لا يجوز إدخال أي قيد من القيود إلا بدليل ، فلو كان النفر من منى ليلة الثالث عشر بعد غروب الشمس لا يجوز لبين ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم - .
· ثالثاً : أما أثر عمر – رضي الله عنه – فتوجيهه يكون من عدة
وجوه :
- الوجه الأول : من ناحية ثبوته فإنني لم أجد هذا الأثر في كتب السنة المطبوعة ، وقد اعتمد العلماء السابقون كالنووي والمعاصرون كالألباني على تصحيح ابن المنذر – رحمه الله - ، وعلى اعتبار صحته فإن هذا الأثر ليس نصاً في هذه المسألة ، لأن دلالته ليست قطعية .
- الوجه الثاني : قول عمر " من أدركه المساء " لا يعني بالضرورة بعد غروب الشمس ، فالمساء له وجه قوي في اللغة بأنه بعد الزوال أو ما بين الظهر إلى المغرب[30] ، وبهذا جاء أثر الحسن والنخعي – رحمهما الله -: " من أدركه العصر وهو بمنى في اليوم الثاني لم ينفر حتى الغد " [31]
- الوجه الثالث : عمر – رضي الله عنه – يعرف عنه تشديده في كثير من المسائل في مناسك الحج حتى لا يتساهل الناس فيها ، فنجده على سبيل المثال ينهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، لا للتحريم إنما لكي لا يخلو بيت الله من النساك .
- وكذلك تشدد عمر – رضي الله عنه – في أنه كان يأمر الحائض أن تنتظر حتى تطهر من حيضتها فتطوف طواف الوداع ، ولم يكن يرخص لها بالذهاب قبل ذلك ، وهذا ثابت عن عمر كما أخرجه أبو داود وصححه الألباني – رحمه الله – في صحيح أبي داود (2004 ) .
- وكذلك ثبت بإسناد صحيح كراهية عمر – رضي الله عنه – للطيب قبل الإحرام ،فقد روى مالك في الموطأ عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب : " أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب وهو بالشجرة فقال : ممن ريح هذا الطيب فقال معاوية بن أبي سفيان : مني يا أمير المؤمنين، فقال : منك لعمر الله ،فقال معاوية:إن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين فقال عمر عزمت عليك لترجعن فلتغسلنه "[32].
- كما منع – رضي الله عنه – أهل مكة من أن ينفروا في النفر الأول مع المتعجلين ، فقال : "من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الأخير"[33] ، بالرغم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم – ثبت عنه أنه قال : " أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "[34] فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم ، كالدفع من عرفة ومزدلفة .
· رابعاً : أثر ابن عمر – رضي الله عنهما – ثابت لا ريب، ويمكن توجيهه بالأمور الآتية :
- التوجيه الأول : ابن عمر – رضي الله عنهما – لم يمنع النفر من منى لمن رمى الجمار في اليوم الثاني من أيام التشريق وقد غربت عليه الشمس في منى ، وإنما كان يمنع من الرمي ليلاً في أيام التشريق ، وهذا ثابت عنه كما روى البيهقي في " السنن الكبرى " عن ابن عمر قال : " من نسي أيام الجمار أو قال : رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد "[35] .
- وهذا التوجيه هو ما فهمه ابن عبد البر – رحمه الله - فقال : " إنما قال ذلك – أي ابن عمر – لأن من غربت له الشمس بمنى لزمه المبيت بها على سنته ،فإذا أصبح من اليوم الثالث لم ينتظر حتى يرمي ، لأنه ممن تعجل في يومين ، فإن أقام حتى تزول الشمس رمى على سنته في تلك الأيام ، وقد رخص له أن يرمي في الثالث ضحى وينفر [36]" .
- فيكون توجيه أثر ابن عمر – رضي الله عنهما – على النحو الآتي : من غربت عليه الشمس وهو بمنى ولم يكن قد رمى من أوسط أيام التشريق فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد ويرخص له أن يرمي ضحى .
- التوجيه الثاني : ابن عمر – رضي الله عنهما – كان يميل إلى التشديد بأشياء كثيرة لا يوافقه عليها الصحابة ، وهو ما أكده الإمام ابن القيم فقال : " كان هذان الصاحبان الإمامان – ابن عباس وابن عمر - ، أحدهما يميل إلى التشديد والآخر إلى الترخيص ، وذلك في غير مسألة، وعبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة ، فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمِيَ من ذلك ، وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد ، وكان يمنع من دخول الحمّام ، وكان إذا دخله اغتسل منه ، وابن عباس كان يدخل الحمّام ، وكان ابن عمر يتي
القسم: التصنيف الرئيسي » مشايخ وطلبة علم » الأخ الفاضل سعود الزمانان
عدد القراء : 1584
تاريخ الموضوع: 03 - نوفمبر - 2002 ميلادية