تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما سمعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الأبيات الجميلة من متمم قال: والله تمنيت أن لو كنت شاعراً لرثيت أخي زيداً بمثل هذا الرثاء، وزيد قد قُتل في اليمامة كما هو معلوم. فقال متمم لعمر: والله يا عمر لو مات أخي على ما مات عليه أخوك ما رثيته أبداً ولا بكيته. وهذا يؤكد أن خالد بن الوليد كان له كل العذر في قتل مالك بن نويرة. وأما أخذه لزوجته فهذا من السبي ولا شيء في ذلك أبداً. وأما القول أنه دخل عليها قبل أن تنتهي عدتها في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها فهذا كلام باطل ولم يقع شيئاً من ذلك أبداً بل تركها حتى حاضت وطهرت ثم بعد ذلك أخذها رضي الله عنه وأرضاه.

(5) خلافة عثمان رضي الله عنه وما كان فيها من الفتنة: معلوم أن عثمان رضي الله عنه استخلف بعد عمر وذلك أن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة: في عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن الوقاص وعبد الرحمن بن عوف. واختار القوم عثمان بن عفان بعد مشاورات ومداورات فصار هو الخليفة وبايعه جميع المسلمين، واستقرت الأمور كما قال الإمام أحمد: لم تتم البيعة لأحد كما تمت لعثمان رضي الله عنه. وحكم عثمان رضي الله عنه اثنتي عشر سنة. وأشيع على عثمان أمور منها:

أولاً: أنه كان ضعيفاً

ثانياً: يحابي أقاربه بالأموال

ثالثاً: أن الحاكم الحقيقي مروان بن الحكم وهو لا يستطيع التصرف

ولاشك أن هذا باطل، بل كان عثمان خير الخلفاء بعد أبي بكر وعمر واستمرت خلافته اثنتي عشرة سنة كما بينا وكانت من أفضل السنوات من حيث الجهاد في سبيل الله تبارك تعالى ومن حيث الأموال الكثيرة التي دخلت على المسلمين، ومن حيث استقرار الأمور. ولكن الذي وقع أن عثمان رضي الله عنه في آخر خلافته قام بعض الناس بإثارة بعض النعرات وكذبوا على عثمان في بعض الأمور وادعوا عليه ادعاءات باطلة منها التي ذكرناها الآن وغيرها كثير ادعوها على عثمان رضي الله عنه ثم قام شرذمة من أهل البصرة وشرذمة من أهل الكوفة وشرذمة من أهل مصر أرادوا الانقلاب على عثمان، ولكن تم الإمساك بهم فحذرهم وهددهم ثم أعادهم إلى بلادهم وذلك في سنة 34 من الهجرة أي بعد 11 سنة من خلافة عثمان رضي الله عنه، ثم في السنة التي بعدها أعادوا الكرّة مرة ثانية ولكن عزموا هذه المرة على أن لا يرجعوا حتى يقتلوا عثمان رضي الله عنه وكان لهم ما أرادوا، فحاصروا بيته وقتلوه وهو يقرأ القرآن وكان من صنيعه أنه رفض أن يقاتل أحد من المسلمين دونه وهذا يدل على أمرين اثنين:

1) حقنه لدماء المسلمين، وذلك لو كان غيره لقال أنا ومن دوني البحر، بل قال لعبيده كل من أغمد سيفه فهو حر، ولما جاءه زيد بن ثابت وقال: الأنصار على الباب، يقول إن شئت كن أنصار الله مرتين كما كنا أنصار الله مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فنكون كذلك أنصار الله معك، فقال: لا والله لا أحب أن يهراق قطرة من دم في سبيلي بل قال: عليكم السمع والطاعة ارجعوا إلى بيوتكم. ورفض أن يقاتلوا دونه رضي الله عنه ولذلك لما استشار عبدالله بن عمر قال: ما ترى في هذا الأمر؟ قال : يا أمير المؤمنين، هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا، فلا أرى أن ترجع نفسك من الخلافة، اصبر حتى لا تكون الخلافة بعد ذلك بيد الناس لعبة كلما كرهوا إماماً عزلوه بل ابق على الخلافة ولا تلفت إليهم. فاختار رأي عبدالله بن عمر ولم ينزل عن الخلافة حتى قتل مظلوماً شهيداً رضي الله عنه وأرضاه.

أما بالنسبة بأنه كان يحابي أقاربه بالأموال فهذا باطل فكيف وهو الذي سير جيش العسرة لوحده من أمواله الخاصة حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم. كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرح فرحاً شديداً لما جاء عثمان بالإبل بأحلابها وأقتابها وجعلها في سبيل الله تبارك تعالى. فكان من أغنياء الصحابة ولما مات ما كان يملك شيئاً رضي الله عنه وما ترك ثروة لأولاده حتى يقال يستأثر بالأموال او يعطيها لغيره.

6) معركة الجمل: ولاشك أن هذه القضايا فيها صراعاً وكما ذكرت في البداية أنه لا نستطيع أن نعطي كل قضية حقها، ولكن لا بأس أن ننبه على بعضها، ولذلك قيل: ما لا يدرك جله لا يترك كله، ومن أراد التوسع فليرجع لكتب أهل العلم لهذه المسائل. معركة الجمل كانت في 36 من الهجرة في صفر وذلك أن علياً رضي الله عنه بويع بعد مقتل عثمان رضي الله عنه فبايعه الصحابة. ولا بأس أن ننبه عن الرواية التي تقول إن طلحة والزبير قد بايعا والسيف على رقبتيهما فهذا كذب باطل ذلك أن القوم الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه ذهبوا إلى الزبير وطلبوا منه أن يكون هو الخليفة فرفض وذهبوا إلى طلحة كذلك فرفض حتى استقر الأمر على علي رضي الله عنه فكان الخليفة بعد عثمان رضي الله عنه، فطلحة ما كان له طمع في الخلافة ولا الزبير ولذلك لما جعل عمر الأمر في ستة وهي الشورى ما رشح نفسه لا طلحة ولا الزبير بل الزبير أعطى صوته لعلي وطلحة أعطى صوته لعثمان فما كان حريصين على الخلافة أصلاً. والذي وقع هو أن طلحة والزبير بعد مقتل عثمان في المدينة خرجا إلى مكة وكان الناس في الحج وذلك أن عثمان قُتل في ذي الحجة وكان أمير الحج عبدالله بن العباس رضي الله عنهما وكانت عائشة في الحج رضي الله عنها فالتقيا بعائشة ورأيا أن الأمور قد ازدادت سوءاً بعد مقتل عثمان ولكن هذه الثورة التي قام بها هؤلاء القوم وهم يقدرون بألفين أو ستة ألاف على خلاف فقيل من مصر ألفين ومن البصرة ألفين ومن الكوفة ألفين وقيل أن الجميع عددهم ألفان والعلم عند الله تبارك وتعالى ولكن العدد ليس بقليل وهؤلاء كلهم من قبائل وكل واحد له قبيلة تدافع عنه ولذلك جبل وزهير بن حرقوص لما أردوا قتلهما دافع عنهما آلاف من بني تميم وغيرهما، فلذلك خرجت عائشة وطلحة وزبير إلى الزبير وعلي كان في المدينة فالقول أن عائشة وطلحة وزبير خرجوا على علي قول باطل لأنهم خرجوا من مكة إلى البصرة وذلك حتى يبينوا للناس أن قتل عثمان كان باطلاً وأن الذين قتلوا عثمان هم بغاة ظلمة جهّال فسقة فأرادوا أن يجمعوا كلمة المسلمين على الانتقام لعثمان من هؤلاء القتلة والذي وقع أن علياً رضي الله عنه لما سمع بخروجهم إلى البصرة وأنه وقعت مناوشة وقتال بينهم وبين أهل البصرة وأهل المدينة شاركوا في قتل عثمان خرج علي رضي الله عنه من المدينة إلى الكوفة وهناك أرسل إليهم قعقاع بن عمرو ومقداد بن الأسود ويسألهم لماذا خرجوا؟ ولماذا ذهبوا إلى البصرة؟ ولماذا تمّ القتال؟ فجاء قعقاع بن عمرو ومقداد بن الأسود إلى عائشة وطلحة وزبير وكانت عائشة رضي الله عنها كارهة لهذا الخروج ولكن ذكروا لها قول الله تبارك وتعالى "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" وما خرجت إلا للإصلاح بين الناس فكان الأمر كذلك فاقتنعت بقولهم وخرجت معهم رضي الله عنهم أجمعين. وسألاهما مالذي أخرجكم؟ فقالوا: حتى تستقر الأمور وتنتهي القضية فقالا: لا مانع عندهم من أن يُقتل قتلة عثمان ولكن ليس بهذه الطريقة لأن كما قلنا لهم قبائل تدافع عنهم وأن الذين شاركوا هم سبعة أو ثمانية والذين حاصروا بيت عثمان ألفان أو ستة آلاف فلذلك كان الأمر عند علي رضي الله عنه هو أن تستقر الأمور وتهدأ ثم يأتي أولياء الدم (أي أبناء عثمان رضي الله عنه) فيقولون أن فلان شارك بقتل عثمان ويأتون بالشهود ويؤتى به فإذا أقر أو شهد الشهود فانتهى الأمر، ولكن قتلة عثمان ما وهلوهم فقسموا أنفسهم قسمين قسم وهاجموا جيش علي وقالوا يا قتلة عثمان ومجموعة هاجمت جيش عائشة وطلحة وزبير وقالوا يا كفرة يا فجرة فظنوا أن الخيانة من جيش علي كما ظن جيش علي الخيانة من جيش عائشة وطلحة وزبير وما صار الفجر إلا وكان القتال قد اهتدم وكان علي وطلحة يحاولان يمنعا الناس من القتال وكان طلحة بن الزبير كان يقول: يا ناس أتسمعون أتنصتون فكانوا لا يردون عليه فكان يقول: والله كأنكم ذبان طمع (أي كالذباب الذي وجد شيئاً دسماً فلا يستطيع أحد أن يرده)، فكان وقعة الجمل.

(7) بيعة علي رضي الله عنه: التحكيم في صفين أو بعد صفين مباشرة لما صار القتال بين علي ومعاوية. فالتحكيم الذي شُهر عند الناس أن التحكيم كان أبو موسى الأشعري طرفاً عن علي رضي الله عنه وعمرو بن العاص طرفاً عن معاوية واتفقا على عزل علي وعزل معاوية ثم بعد ذلك النظر في أمر الخلافة من جديد. فقام أبو موسى الأشعري وقال: إني أعزل علياً من الخلافة كما أنزع خاتمي هذا من يدي، وأعزل معاوية كذلك كما أنزع خاتمي هذا من يدي فقام عمرو بن العاص فقال: أما أنا فأعزل علياً كما أنزع خاتمي هذا من يدي مع أبو موسى وأثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا في يدي فالتفت أبو موسى الأشعري وقال: لقد خدعتني فقال: ما خدعتك ثم رجع أبو موسى الأشعري ولم يرجع إلى علي للكوفة ولكن ذهب إلى مكة يقولون لم يستطع أن يواجه علياً لأنه غُدر به وضُحك عليه، وهذا باطل.

أولاً: أبو موسى الأشعري هو الذي أرسل إليه عمر بن الخطاب رسالة القضاء فكان قاضياً في عهد عمر وأبي بكر فهو ليس بالسذاجة حتى يُضحك عليه.

ثانياً: ثم أن هذه القصة مكذوبة من رواية أبي مخنف الكذاب.

فالقصة الصحيحة التي أخرجها الإمام البخاري أن أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص اجتمعا فقالا عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري ماذا ترى؟ فقال أبو موسى الأشعري: أرى أن علياً من الذين مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض، فقال عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري: أين تضعني أنا ومعاوية إذا كان هذا موقفك من علي؟ قال: إن يستعن بكما ففيكما معونة وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكم، (أي ليس بالضرورة أن يكون لكما شأن في البيعة أو غيره)، وهذا هو الإسناد الصحيح في هذه المسألة. ثم كذلك يقال كيف يصح أن يجتمع اثنان فيعزلان خليفة المسلمين؟ الخلافة في الإسلام ليست بهذه السهولة بحيث يجتمع شخصان فيقول الأول للآخر أنه عزل خليفة وثبّت آخر.

ثالثاً: ثم معاوية ما كان يقول أنه خليفة حتى يعرض في خلافة علي ولكن معاوية كان يرى أن يؤجل أمر الخلافة حتى تنتهي قضية قتلة عثمان ثم يُنظر بعد ذلك في أمر الخلافة.

(8) مقتل الحسين رضي الله عنه: إن قتل الحسين رضي الله عنه شهيداً لاشك إنها من الجرائم العظام والذين قتلوا الحسين رضي الله عنه لاشك أنهم فسقة فجرة ولكن الكلام في يزيد هل له دخل في مقتل الحسين رضي الله عنه؟ يزيد ليس له شأن في مقتل الحسين فهو لم يشارك ولم يأمر بقتله ولكن الذي نقمه أهل العلم عليه هو أنه لم يعاقب عبيد الله بن زياد عندما أمر بقتل الحسين. وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: أنه لم يكن ليزيد دور في مقتل الحسين لا مشاركة ولا أمراً.

مقالات موقع المنهج · الصفحة ١١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقالات موقع المنهجص ١١٨