تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي عن ابن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا (5) .

وهذا الذي روي عنه رضي الله عنه يعني أن الموضعين السابقين يختص الأمر فيهما بيوم القيامة، وذلك ظاهر من السياق في سورة القلم حيث صرح الله فيه بهذا اليوم، وفي الحديث الصحيح: ((يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا)) (1) ، فالساق هي ساق الرحمن عز وجل كما يليق بجلاله، يجب الإيمان بها من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، والسجود هو السجود المعروف على الوجه، باتفاق المفسرين (2) ولا سيما أنه جاء في بعض الروايات ((فيخرون سجدا)) (3) ، وهذا الأمر على جهة التوبيخ والعقوبة، لأن الآخرة ليست بدار عمل، وأنه لا تكليف فيها (4) ، وأما من ذهب إلى أن الأمر بذلك في الدنيا حتى لا يتعارض مع كون الآخرة دار تكليف فهو مخالف للجمهور (5) والسياق يأباه، والحديث الصحيح يرده.

وأما السجود في الموضع الثاني فجاء فيه ثلاثة معان: السجود الشرعي على الوجه، الصلوات المكتوبة، جميع الطاعات والمعنى متقارب (6) ، غير أن السجود الشرعي هو المتبادر، وإن كان يقتضي غيره، وإنما خص بالذكر لشرفه، ولأنه وقع به امتحانهم في الآخرة، ولهذا كان الإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير (7) ، ووجه كونه الصلوات المكتوبة لأن السجود جزء منها، ولقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ﴾ ، قال سعيد بن جبير (ت95هـ) : ((المعنى: كانوا يسمعون النداء للصلاة وحي على الفلاح فلا يجيبون)) (8) ، ووجه معناه جميع الطاعات أنه على المعنى اللغوي الذي هو الخشوع، لأنهم كفار ومنافقون.

هذا، وأمّا ما روي عن ابن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: (( ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ أنه حين يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون (1) ، ففي ثبوته عنه نظر، لأنه جاء من طريق عطية العوفي (ت110هـ) وإسناده متكلَّم فيه، وطريقه غير مرضية (2) ، ثم إن السياق في سورة المرسلات لا يتسق مع هذا التأويل، لأن قبله قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ أي في الدنيا (3) ، ولهذا ذهب أكثر العلماء إلى أن الركوع المذكور في سورة المرسلات قيل لهم في الدنيا ومن ثم اختلفوا في معناه، فذهب مجاهد (ت104هـ) في آخرين إلى أن المعنى: ((إذا قيل لهم صلوا لا يصلون)) (4) وقال قتادة (ت118هـ) : إنه الركوع نفسه، وقال عند تفسيرها: ((عليكم بحسن الركوع)) (5) ، وذهب الطبري إلى أنه بمعنى الخضوع ونصه: ((وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم المجرمين أنهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيه، لا يأتمرون بأمره ولا ينتهون عما نهاهم عنه)) (6) .

والأقوال الثلاثة كلها قريبة بعضها من بعض، فالركوع جزء من الصلاة، وإنما خص بالذكر لأن كثيرا من العرب كان يأنف من الركوع، وفي الحديث أن وفد ثقيف طلبوا من الرسول (أن لا ينحنوا في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا خير في دين لا ركوع فيه)) (7) ، وعدّه بعضهم سببا لنزول هذه الآية (8) ، والصواب أنه بعد نزولها، لأن هذه السورة مكية، ووفد ثقيف كان بعد غزوة تبوك (9) ، ومع هذا فإن إبقاء الركوع على حقيقته الشرعية أولى، وأما من حمل الركوع على الخضوع فهو أعم وأشمل إذ الصلاة شعار الإسلام، والركوع مما يميز صلاة هذه الأمة عن غيرها من الأمم من اليهود والنصارى، كما سيأتي في المبحث التالي. والله أعلم.

ثالث عشر - أمر اليهود بالركوع:

قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ . (البقرة/43) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩١٧