تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من كتاب الإغفال

صَنْعَةُ أبي عليٍّ الفارسيٍّ (رحمه الله)

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

(صلى الله على محمَّدٍ وآله.

قال أبو عليٍّ أحمدُ بنُ الحسن بنِ عبدِ الغفَّار الفَسَوِيُّ الفارسيُّ النَّحْويُّ) (2) :

هذه مسائلُ من كتاب أبي إسحاقَ الزَّجَّاجِ في إعراب القرآن، ذَكَرْناها لِمَا اقتضت عندنا من الإصلاح منها للإغفال الواقع فيها، ونحن ننقُلُ كلامَه في كلِّ مسألةٍ من هذه المسائلِ بلفظه، وعلى جهته، من النُّسخة التي سمِعْناها منه فيها، ثُمَّ نُتْبِعُهُ بما عندنا فيه، وبالله التَّوفِيقُ.

المسألة الأولى (3)

ذَكَرَ أبو إسحاقَ اسمَ الله تعالى فقال (4) :

((أَكْرَهُ أنْ أذْكُرَ ما قاله النَّحْويُّون في هذا الاسم تنزيهاً لله تعالى)) ، ثمَّ قال في سورة الحشر (5) في قوله تعالى: ﴿هُوَ الله الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ﴾ : ((جاء في التَّفسير أنَّها تسعةٌ وتسعون اسماً، ونحن نُبَيِّنُ إنْ شاء الله تعالى هذه الأسماءَ واشتقاقَ ما ينبغي أن يُبيَّنَ منها)) . فبدَأَ بتفسير هذا الاسم فقال: ((قال سيبويه: سألتُ الخليلَ عن هذا الاسمِ فقال: الأصلُ فيه (6) (إِلاَهٌ) ، فأُدْخِلَت الألفُ واللاَّمُ بدلاً من الهمزة. وقال مرةً أخرى: الأصلُ: (لاَهٌ) ، وأُدخِلَت الألفُ واللامُ لازمة)) انتهى كلامُ أبي إسحاقَ.

قال أبو عليٍّ:

ما حكاه عن سيبويهِ عن الخليل سهوٌ، ولم يحكِ سيبويهِ عن الخليل في هذا الاسم أنَّه ((إِلاهٌ)) ، ولا قال: إنِّه سأله عنه. لكن قال الخليلُ (1) : إنَّ الألفَ واللامَ بدلٌ من الهمزة في حدِّ النِّداء في الباب المترجَم ب (هذا ما ينتصبُ على المدح أو التَّعظيم أو الشَّتم لأنَّه لا يكونُ وصفاً للأوَّلِ، ولا عطفاً عليه) . وأوَّلُ الفَصْلِ (2) : ((اعْلَمْ أنَّه لا يجوزُ لكَ أنْ تناديَ اسماً فيه الألفُ واللاَّمُ البتَّةَ؛ إلاَّ أنَّهم قالوا: يا ألله اغْفِرْ لي)) . وهو فصلٌ طويلٌ في هذا الباب إذا قرأتَهُ وقفْتَ منه على ما قُلْنَا.

والقولُ الآخَرُ الذي حكاه أبو إسحاقَ فقال: ((وقال مرةً أخرى ... )) ،لم ينسبْهُ سيبويه أيضاً إلى الخليل، لكن ذكَرَه في حدِّ القَسَم في أوَّلِ بابٍ منه (3) .

قال أبوعليٍّ: ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَإلاَهَتَكَ﴾ (4) قال: عِبَادَتَكَ. فقولنا: ((إِلاَهٌ)) من هذا كأنَّه ذو العبادة، أي: إليه تُوَجَّهُ، وبها يُقصَدُ ويُعتَمَد. قال أبو زيدٍ (5) : تألَّهَ الرجُلُ إذا نَسَكَ، وأنشَدَ:

سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي (6)

ونظيرُ هذا في أنَّه في الأصل اسمُ حَدَثٍ، ثمَّ جَرى صفةً للقديم سبحانه قولُنَا: السَّلام. وفي التَّنزيل: ﴿السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ (7) فالسَّلام مِن سَلَّمَ كالكلام من كَلَّمَ (8) ، والمعنى: ذو السَّلام، أي: يُسَلِّمُ من عذابه مَنْ لم يستحقَّهُ،كما أنَّ المعنى في الأوَّل: أنَّ العبادةَ تجِبُ له.

فإن قلتَ: فَأَجِزِ الحالَ عنه وتَعَلُّقَ الظَّرفِ به،كما يجوزُ ذلك في المصادر.

فإنَّ ذلك لا يَلزَمُ؛ ألا ترى أنَّهم أَجْرَوا شيئاً من المصادر واسمِ الفاعل مُجْرَى الأسماء التي لا تُناسِبُ الفعل، وذلك قولُهُم: ((للهِ دَرُّكَ)) (1) ، وزَيدٌ صاحبُ عمرٍو، (فلم يجيزوا إعمالَهما عملَ الفعل وإنْ كانا في مواضعهما) (2) .

وأمَّا ما حكاه أبو زيدٍ من قولهم: ((تَألَّهَ الرَّجُلُ)) ، فإنَّه يَحتَمِلُ عندي ضربَين من التَّأويل:

يجوزُ أنْ يكونَ كقولهم: تَعَبَّدَ والتَّعَبُّد.

ويجوزُ أنْ يكونَ مأخوذاً من الاسم دون المصدر على حدِّ قولكَ: اسْتَحْجَرَ الطِّينُ، واسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، فيكونُ المعنى: يفعَلُ الأفعالَ المقرِّبَةَ إلى الإلهِ، والمستحقَّ بها الثَّوابَ.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٣٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٣٨٧