تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (الانشقاق/20-21) :

ورد في المراد من السجود في هذه الآية ثلاثة أقوال هي:

القول الأول: لا يصلون، وهو المنقول عن مفسري السلف كابن السائب رضي الله عنه وعطاء (5) (ت114هـ) .

الثاني: لا يخضعون ولا يستكينون، وهو قول الطبري (ت310هـ) والزمخشري

(ت538هـ) وآخرين، وعزاه أبو حيان (ت754هـ) والآلوسي (ت1270هـ) إلى قتادة (ت118هـ) ولم أقف عليه مسندا (6) .

الثالث: أنه سجود التلاوة، وهو السجود الشرعي، قال أبو حيان (ت754هـ) : ((وقال عكرمة: لا يباشرون بجباههم المصلى)) (7) .

والحق أن لكل قول من هذه الأقوال الثلاثة وجهة واعتباراً، أما القول الأول فهو قول السلف، وعليه عامة العلماء، كما قال ابن تيمية (1) (ت728هـ) ، وذلك أن الصلاة تشتمل على تلاوة وسجود، وهو ما تضمنته الآية الكريمة التي نحن بصددها، قال ابن تيمية (ت728هـ) : ((وهذه الآية توجب على من قرئ عليه القرآن أن يسجد، فإن قرئ عليه خارج الصلاة فعليه أن يسجد قريبا إذا حضرت وقت الصلاة، فإنه ما من ساعة يقرأ عليه فيها القرآن إلا وهو وقت صلاة مفروضة، فعليه أن يصليها، إذ بينه وبين وقت الصلاة المفروضة أقل من نصف يوم، فإذا لم يصلّ فهو ممن إذا قرئ عليه القرآن لا يسجد، فإذا قرئ عليه القرآن في الصلاة فعليه أن يسجد سجدة يخرّ فيها من قيام، وسجدة يخر فيها من قعود …)) (2) .

وأما القول الثاني فقد اعتمده جبلان من جبال العلم والتفسير، وهما الطبري (ت310هـ) والزمخشري (ت538هـ) واختاره القاضي أبو يعلى (458هـ) ، قال: ((وقد احتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ذلك، وإنما المعنى لا يخشعون، ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، والسجود يختص بمواضع منه)) (3) والصواب أن فيها دلالة على ذلك حيث سجد فيها رسول الله (كما ثبت في صحيح مسلم ((أن أبا هريرة قرأ لهم إذا السماء انشقت فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله (سجد فيها)) (4) ، والسجود فيها قول جمهور العلماء كأبي حنيفة (ت150هـ) والشافعي (ت204هـ) وأحمد بن حنبل (ت241هـ) ، وهو قول ابن وهب (ت197هـ) من أصحاب مالك (ت179هـ) (5) .

وأما القول الثالث: فهو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ، وتؤيد سجدة التلاوة، إذ الصحيح أن هذا الموضع منها، وقوله جل شأنه: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ دون يخضعون ودون يصلون يدل على أن السجود مقصود لنفسه (1) ، وعليه فإن المقصود بالقرآن في الآية آيات مخصوصة، وهذه منها (2) ، والظاهر أن المقصود جميع القرآن إذ لا دليل على التخصيص، وإنما خصت هذه بالسجود كسائر آيات السجود لأنها هي الآمرة بالسجود عند قراءة القرآن، فكان لها الحظ من الأمر بالسجود مع عموم كونها من القرآن الكريم (3) والأصل في تحديد سجدات التلاوة ما جاءت به السنة.

ولا يخفى ما فيه هذه الأقوال الثلاثة من تقارب وتجانس، إذ لا تناقض بينها فإن السجود أحد أفعال الصلاة، وهما يتناولان الخشوع كذلك، فلا فائدة من سجود ولا صلاة لا خشوع فيهما، وإذا كان السجود والصلاة ظاهرين ومن أفعال الجوارح فإن الخشوع باطن في القلب مؤثر على الجوارح، قال البقاعي (ت885هـ) : (( ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ : أي يخضعون بالقلب ويتذللون للحق بالسجود اللغوي، فيسجدون بالقالب السجود الشرعي لتلاوته)) (4)

المجموعة الأخرى في سجود الكفار وركوعهم:

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم/42-43) .

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (المرسلات/48) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩١٦