أمر الله بني اسرائيل بالركوع بعد قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ، لأن صلاتهم لا ركوع فيها، قال أبو حيان (ت754هـ) : ((المشاهد من صلاة اليهود والنصارى خلوها من الركوع، … ويحتمل أن يكون ترك الركوع مما غيرته اليهود والنصارى من معالم شريعتهم)) (1) ، وقال برهان الدين البقاعي (ت885هـ) : ((تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع)) (2) ، وقال في موضع آخر: ((سألت عن صلاة اليهود الآن فأُخبرت أنه ليس فيها ركوع)) (3) ، وصرح غير واحد من العلماء بأن صلاتهم لا ركوع فيها (4) ، وأثناء كتابة هذا البحث سألت من صلاة اليهود والنصارى فأُخبرت أنه ليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هو إيماء، ولا يبعد أن ذلك مما غيرته اليهود والنصارى في شرع الله.
وفي هذا الأمر تأكيد لليهود المخاطبين على الإتيان بصلاة المسلمين، كما تضمن قوله تعالى: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إيقاعها في جماعة (5) ، فالمقصود بالركوع في الآية الركوع المعهود لأن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية (6) ، ويمكن أن يراد به الصلاة نفسها، فعبر عنها بفعل لازم من أفعالها، وهو الركوع، وذلك يدل على فريضته فيها (7) .
ومن العلماء من حمل الركوع في الآية على المعنى اللغوي، وهو الخضوع لله بالطاعة، والدخول مع المسلمين في الإسلام والانقياد لما يلزمهم في دين الله (1) ، وهذا المعنى قوي اختاره ابن جرير الطبري (ت310هـ) ، وهو المناسب للسياق، فإن هذه الآيات افتتحت تذكر المنعم وذلك في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا﴾ (البقرة/40) ثم اختتمت بالانقياد للمنعم والخضوع له تعالى، وما بينهما تكاليف اعتقادية وأهم الأفعال البدنية والمالية (2) ، ومما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى بعده: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة/45) ، ولولا أن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية لكان هذا المعنى وهو الخشوع مقدما على غيره، ولا يمنع أن يُراد بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الخشوع وإنما اختير التعبير بالركوع للإيماء إلى ما سبقت الإشارة إليه من أن اليهود لا ركوع في صلاتهم ومن إيقاع الصلاة في جماعة.والله أعلم.
وأما قول ابن العربي (ت543هـ) في الآية: ((وقيل: إنه الانحناء لغةً وذلك يعم الركوع والسجود)) (3) فلم أقف عليه إلا عنده رحمه الله، وفيه شئ من البعد. والله أعلم.
جدول مواضع الركوع والسجود ومعانيهما:
تقريبا لمعاني الركوع والسجود وضعت هذا الجدول حسب ترتيب آي القرآن الكريم، وقد راعيت فيه مايلي:
استيفاء جميع الأقوال، والإحالة إلى مواضعها في الخانة الأخيرة من الجدول، لمعرفة الصحيح منها والضعيف.
ترتيب الأقوال حسب الأولوية.
العلامتان (**) في خانة أرقام الآيات تدل على أنها معدودة في سجدات التلاوة.
الحرف (ك) أمام رقم الآية يدل على أنها مكية، والحرف (د) يدل على أنها مدنية، وقد اعتمدت في ذلك على الراجح من خلال الإتقان، والتحرير والتنوير وما ترجّح في أثناء البحث.
ما عليها تظليل فهي الآيات التي ورد فيها لفظ الركوع مجردا أو مع السجود.
وفي آخر الجدول بعض الإحصائيات التي قد يحتاج إليها.
م
السورة
الآية
رقمها
معاني الركوع والسجود
موضعها في البحث
1.
البقرة
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا (
د/34
السجود على الوجه.
الإنحناء المساوي للركوع.
الإيماء والخضوع.
مجرد الخضوع.
ثانيا
2.
البقرة
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (
د/43
الركوع الشرعي.
الخضوع.
الصلاة.
مطلق الانحناء (الركوع والسجود) .
ثالث عشر
3.
البقرة
(فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا (