مفهوم المجاز بين ابن سينا وابن رشد
د. محمود درابسة
الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية - جامعة اليرموك
اربد - الأردن
ملخص البحث
هذا البحث مفهوم يتناول المجاز ووظيفته عند فيلسوفين مسلمين هما ابن سينا (ت 428هـ) وابن رشد (ت 595هـ) بوصفهما أكثر نضجاً وعمقاً وفهماً في دراسة الفكر النقدي اليوناني من غيرهما من الفلاسفة المسلمين.
وقد تكون البحث من تمهيد، تناول فيه الدارس مفهوم المجاز وأنواعه بين الفكر النقدي اليوناني ممثلاً بأرسطو والفكر النقدي والبلاغي العربي القديم عموماً.
كما تناول البحث مفهوم المجاز ووظيفته عند ابن سينا ثم عند ابن رشد، إضافة إلى الخاتمة التي أبرزت دور الناقدين في فهم المجاز وشرح وظيفته، فضلاً عن وجوه الاتفاق والاختلاف بينهما حول دور المجاز في العمل الإبداعي.
• • •
أولاً- تمهيد: المجاز بين الموروث البلاغي العربي واليوناني.
لقد جسدت العلاقة بين لغة الشعر ولغة النثر موضوع اهتمام الدارسين قديماً وحديثاً سواء عند العرب في موروثهم النقدي والبلاغي واللغوي أو عند اليونان من خلال كتابي فن الشعر والخطابة لأرسطو، فضلاً عن دور هذين المصدرين وأثرهما عند الفلاسفة المسلمين من أمثال الفارابي ت (339هـ) وابن سينا (ت 428هـ) وابن (ت595هـ) .
وقد شكل المجاز في الدراسات البلاغية والنقدية حداً فاصلاً بين اللغة الشعرية وبين لغة النثر العادي المعتمد على الوصف اللغوي، والتعبير المباشر عن الحقيقة. حيث لا يعد المجاز ركناً أساسياً في بناء النثر العادي. فالمجاز يعني لغة التجاوز والعدول عن الأصل والمألوف عند العرب، وهو مصدر العمل الإبداعي سواء أكان شعراً أم نثراً.
ولما كانت اللغة الشعرية انحرافاً وتجاوزاً للمألوف في التعبير اللغوي، فقد شكل المجاز الطاقة المولدة لشعرية النص. فالمجاز هو الانحراف والخروج على المألوف في اللغة، بحيث يأخذ المجاز دوراً حاسماً في إغناء الدلالة الأسلوبية في النص الإبداعي، مما يجعل هذه الدلالات الأسلوبية في لغة النص وتراكيبه قابلة للتأويل، والتفسير، وتعدد المعنى والاحتمالات، وهذا ما يمنح النص الإبداعي خصوصيته الفنية، وخلوده المتواصل عبر الزمن.
وقد تعددت ضروب المجاز عند البلاغيين والنقاد العرب القدماء، إذ شملت معظم الضروب البلاغية التي تشكل جوهر النص الإبداعي وأساسه، كما تشكل الطاقة المولدة لشعرية النص وإبداعه.
ومن هنا فقد وصفه سيبويه (ت 180هـ) في كتابه "الكتاب" بقوله: "استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لا تساعهم في الكلام، والإيجاز والاختصار" (1) .
فالتعبير عن الأساليب المجازية عند سيبويه يعني الاتساع، ويعني هذا الخروج على المألوف في التعبير اللغوي والتجاوز لقواعد النحو الصارمة في الوصف اللغوي، والتعبير عن الأشياء. وهذا الاتساع والتجاوز للمألوف هو المبالغة بمفهومها الفني، تلك المبالغة التي ارتبطت بالكذب من حيث دلالته الفنية لا الأخلاقية، وقد وصف سيبويه المجاز بالمستقيم الكذب، وعبر عن هذا الفهم بالأمثلة التالية التي تشرح مفهوم المجاز عنده، ذلك المفهوم الذي يعني الاتساع والخروج على المألوف، حيث يقول موضحاً هذا الفهم: حملت الجبل، وشربت ماء البحر (2) .
ولهذا، فقد تعددت ضروب المجاز وتسمياته، حيث شكلت هذه الضروب المختلفة للمجاز دلالات أسلوبية تجعل من النص مجالاً للجدل والحوار والتأويل، حيث تتعدد معانيه وإيحاءاته، وتتعدد إمكانية التأويل والاحتمال لدى دارسيه. فقد عد ابن منظور المصري (ت 711هـ) في معجم لسان العرب الحذف في التركيب اللغوي للنص الإبداعي مجالاً هاماً من مجالات المجاز، حيث يترك هذا الحذف للقارئ متعة ولذة عارمة. يقول ابن منظور بهذا الخصوص محدداً معنى الحذف: "الحذف ضرب من الاتساع" (3) .