معاني الركوع والسجود في القرآن المجيد
د. إبراهيم بن سعيد بن حمد الدوسري
الأستاذ المساعد في قسم القرآن وعلومه، كلية أصول الدين
الرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ملخص البحث
يتناول هذا البحث دراسة جميع ألفاظ الركوع والسجود في القرآن الكريم الواقعة في تسعة وأربعين موضعا من سوره المكية والمدنية.
وقد عني بجانب التفسير التحليلي المقارن، وذلك برصد معانيهما اللغوية والشرعية والمجازية، وحسبما اقتضته الآيات جرى تصنيفها إلى ثلاثة عشر موضوعا، ومن ثَمَّ دُرس كل موضوع في مبحث يتناول تلكم الآيات من خلال ما جاء في تفسيرها من نصوص الكتاب والسنة والآثار وأقاويل السلف والمفسرين، كما اقتضت الدراسة الاعتبار بالسياق وكذلك النظائر وسائر القرائن والدلائل من المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك مما ينتهي بالبحث إلى الصحيح من الأقوال، وتعقّب المعاني الضعيفة وما لا يعوّل عليه، وهذا بالإضافة إلى توضيح ما جاور ألفاظ الركوع والسجود من المفردات الغريبة، مما يستلزمه البحث، وكذلك الإشارة إلى بعض المعاني البلاغية.
ويعتبر هذا البحث متصلا بعلم الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، وسلسلة ينبغي أن تتواصل على أيدي الباحثين، وإذا لم تستوعب مصادر الوجوه والنظائر ما في القرآن الكريم من المعاني فإن الدراسات في هذا الجانب المهم من علوم القرآن الكريم وتفسيره ضرورية لإبراز هدايات القرآن الكريم ودلالاته.
والله ولي التوفيق.
• • •
الحمد لله الذي دانت لعظمته العباد، وخضعت لعزته الرقاب، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما، أما بعد:
فإن مما يثير التساؤل ورود صيغ الركوع والسجود في القرآن الكريم لمعان متعددة، واختلاف المفسرين رحمهم الله في تأويلها كذلك، فما معنى قوله تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (البقرة /58) ؟ وهل المقصود في قوله تعالى في شأن داود عليه السلام ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ (ص/24) الركوع الشرعي؟ وهل عفّر أبوي يوسف وأخوته وجوههم على الأرض سجدا ليوسف؟ وما كيفية سجود النجم والشجر وغيرهما؟ وهل هو حقيقة أو مجاز؟ كل ذلك يستدعي البحث والتدبر، مع ما للركوع والسجود من تاريخ عريق على اختلاف هيئاتها باختلاف الزمان وتعدد الأديان، ولا جرم أن أحدهما (1) كان أول تحية تلقاها البشر عند خلق العالم (2) ، وهما من أهم أركان الصلاة وأدلهما على العبودية لله رب العالمين.
تعريف الركوع والسجود:
معاني الركوع والسجود تدور على ثلاثة محاور، وهي:
المعاني اللغوية.
المعاني الشرعية.
المعاني المجازية.
المعنى اللغوي:
الركوع: يكون في القلب بالخضوع، وفي الجسد بالانحناء وطأطأة الرأس (3) .
والسجود: يشترك مع الركوع في معنييه، ويَفْضُلُ عليه بأنه يختص بوضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه (4) والساجد أشد انحناء من الراكع (5) .
المعنى الشرعي: الركوع والسجود من أهم أركان الصلاة وأفضلها كما في صحيح مسلم (ت261هـ) عن ابن مسعود (ت32هـ) رضي الله عنه موقوفا: ((إن أفضل الصلاة الركوع والسجود (1)) ) ، ((أما الركوع فهو أن يخفض المصلي رأسه بعد القَومة التي فيها القراءة حتى يطمئن ظهره راكعاً (2) ، قال أحمد بن حنبل (ت241هـ) : ((ينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه ويُفرِّق بين أصابعه، ويعتمد على ضَبْعَيه (3) وساعديه، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه ولا يُنكِّسه (4)) ) ، ((وكل قومة يتلوها الركوع والسجدتان من الصلوات كلها فهي ركعة، ويقال ركع المصلي ركعة وركعتين وثلاث ركعات)) (5) .
وأما السجود في الشرع فهو وضع الجباه على الأرض (6) ولا بد معه من الطمأنينة (7) ، وقد بينه الرسول (في الصلاة فيما رواه عنه ابن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهما أن الرسول (قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة (وأشار بيده على أنفه) واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكِفت الثياب ولا الشعر)) (8) .