تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (النمل/25-26) : قوله تعالى ﴿أَلَّا﴾ : سبق ذكر قراءة التخفيف ووجهها، وأما قراءة الباقين بتشديد ألّا فهي ((بمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله)) (1) وهو موضع سجدة تلاوة على القراءتين خلافا للزجاج ومن تابعه حيث قصروا السجود على وجه التخفيف لأنه للأمر، والعمل على السجدة على القرائتين، لأن التشديد ذم للتارك للسجود، والله هو الحقيق بالسجود (2) ، قال ابن عطية (ت541هـ) : ((وتحتمل قراءة من شدد ﴿أَلَّا﴾ أن نجعلها بمعنى التحضيض، ويقدر هذا النداء بعدها، ويجئ في الكلام إضمار كبير، ولكنه متجه)) (3) ، ويؤيد هذا التوجيه قراءة الأعمش ((هلّا يسجدون)) (4) ، وهي قراءة شاذة لمخالفتها الرسم.

قوله تعالى ﴿الْخَبْءَ﴾ : ((المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء، ونبات في الأرض، ونحو ذلك)) (5) .

وقد جاءت هذه القصة في سياق قصة هدهد سليمان عن بلقيس ملكة سبأ، وكانت هي وقومها يعبدون الشمس ويسجدون لها وكانوا من الصابئة، وقيل: إنهم مجوس، وقيل غير ذلك (6) .

قال ابن تيمية: ((والشمس أعظم ما يرى في علم الشهادة، وأعمه نفعا وتأثيراً، فالنهي عن السجود لها نهي عما هو دونها بطريق الأولى من الكواكب والأشجار، وغير ذلك)) (7) .

ولم يقع بين العلماء اختلاف في تفسير السجود في هذه السورة فهو على أصله المعروف من السجود على الوجه (8) ، وقد سبق أنها من مواضع سجود التلاوة.

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت/37) : تدل هذه الآية على أن السجود للخالق لا للمخلوق مهما عظم قَدْرُه ونفعه، بل السجود لمن أبدعه وسخره فالشمس والقمر من أحسن الأجرام المشاهدة في العالم وأعمها نفعا، ومع هذا لم يؤذن بالسجود لهما، فغيرهما من المخلوقات من باب أولى (1) .

وفي هذا الموضع آية سجدة بلا خلاف (2) .

وجمهور العلماء على أن معنى السجود على ظاهره، وهو السجود على الوجه، وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّه﴾ في هذه السورة على صلاة كسوف الشمس والقمر لما يظهر فيهما من التغيير والنقص المنزه عنه الخالق المعبود سبحانه وتعالى (3) ، وينبغي أن يكون هذا استنباطا فقهيا وليس تفسيرا للآية. والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (النجم/62) : جرى أكثر المفسرين على أن السجود على ظاهره الشرعي واختلفوا في المراد منه، فمنهم من حمله على سجود التلاوة، ومنهم من حمله على سجود الصلاة (4) ، واختار الأول ابن تيمية (5) (ت728هـ) واختار الثاني الطبري (6) (ت310هـ) ، والأظهر أنه سجود تلاوة، حيث جاء قبله قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) ﴾ ، وهو القرآن الكريم من غير خلاف، حيث يقتضي أن سماعه سبب الأمر بالسجود (7) ، ولأن النبي (قرأ سورة النجم فسجد فيها، وسجد من كان معه، وليس هو سجود الصلاة (8) ، ولهذا اعتبر هذا الموضع سجدة في قول أكثر أهل العلم (9) .

ومن العلماء من فسر الأمر بالسجود في هذه الآية بالصلاة المفروضة (1) ، لأنها شعار الإسلام (2) ، وحمله بعضهم على الأصل اللغوي وهو الخشوع والخضوع (3) ، والأولى تفسير الآية على الأصل الشرعي، إذ لا مانع منه.

وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا﴾ هو من عطف العام على الخاص، واللام في ﴿لِلَّهِ﴾ لام الاختصاص، وتفيد اختصاص الله تعالى بذلك دون غيره (4) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩١٥