تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جمعت هذه الآيات بين صلاة النبي (وحده وصلاته في الجماعة، والمعنى: ((يراك وحدك ويراك في الجماعة، وهذا قول الأكثرين)) (1) ، ((وهذا يجمع معنى العناية بالمسلمين تبعا للعناية برسولهم، فهذا من بركته (، وقد جمعها هذا التركيب العجيب الإيجاز)) (2) ، فمعنى ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ : ((أي في أهل الصلاة، أي صلاتك مع المصلين)) (3) وقال بعضهم: معنى قوله تعالى ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ : أي تقلبك في صلاتك حين قيامك وحين ركوعك وسجودك، فالمقصود بالساجدين هو الرسول ((4) ، فهو من إطلاق الجمع وإرادة به المفرد، والمعنيان متقاربان، وكلاهما مروي عن ابن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهما (5) ، إلا أن الأشمل هو القول الأول، ولذلك اختاره ابن جرير الطبري (ت310هـ) فقال رحمه الله: ((وأولى الأقوال في ذلك بتأويله قول من قال: تأويله: ويرى ﴿تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ في صلاتهم معك، حين تقوم معهم وتركع وتسجد، لأن ذلك هو الظاهر من معناه)) (6) فالمقصود بالسجود في الآية الصلاة، غير أنه اختُلف في المراد بالساجدين بالتحديد، فمنهم من قال: هو الرسول (، ومنه من قال: عنى به أهل الصلاة من المؤمنين، وثمة أقوال أخرى في بيان المراد منهم، فقيل: جميع المؤمنين، وقيل جميع الناس، وقيل الأنبياء، وكلها أقوال أجنبية عن ألفاظ الآية المتضمنة بعض هيئات الصلاة (7) .

وتفسير مجاهد (ت104هـ) لهذه الآية نحو قول الجمهور، حيث قال رحمه الله:

((يعني في المصلين، وكان يقال: يرى مَن خلفه في الصلاة)) (1) ، ويشهد لهذا ما جاء في الصحيحين أن الرسول (قال: ((أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري)) (2) ، فمعنى التقلب عند مجاهد رحمه الله إبصار الساجدين، وليس هو هيئات الصلاة من قيام وركوع وسجود، ولهذا اعتبره ابن عطية (ت541هـ) معنى أجنبيا هنا (3) تبعا للطبري (ت310هـ) حيث قال: ((وكذلك أيضا في قول من قال: معناه تتقلب في إبصار الساجدين، وإن كان له وجه فليس ذلك الظاهر من معانيه)) (4) .

وهذه الآية شبيهة بآية الحجر - التي سبق الكلام عنها آنفا - في مقصدها ومعناها، حيث إن كلا منهما سُبقت ببيان موقف الكافرين من دعوة الرسول (، كما تضمنت كل منهما توجيه الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بملازمة الصلاة، وفي الجمع في كل منهما في لفظ ﴿السَّاجِدِينَ﴾ إشارة إلى صلاة الجماعة (5) ، ولا سيما أن هذا التوجيه في السورتين سُبق بخفض الجناح للمؤمنين الذين بهم قوام صلاة الجماعة.

قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (ق/39-40) :

﴿أَدْبَارَ﴾ جمع دبُر، أي في أعقابه، وفي قراءة سبعية أخرى بكسر الهمزة مصدر أدبر يدبر إدبارا، والتقدير: وقت إدبار السجود (6) .

أجمع أهل التأويل على أن التسبيح في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ﴾ معناه: صلّ (1) ، وقد سبق أن هذه السورة مكية، قال ابن كثير (ت774هـ) : ((وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتان: قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر وقيام الليل كان واجبا على النبي (وعلى أمته حولا ثم نسخ في حق الأمة وجوبُه، ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات)) (2) ، وفي الصحيحين: أن النبي (نظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون (3) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (4) .

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ : أي فصلّ له، ويجوز أن يكون ذلك صلاة الليل في أي وقت صلى، ومن العلماء من خصها بصلاة المغرب والعشاء، ومنهم من قصرها على العشاء (5) ، والأولى العموم، وهو قول مجاهد (ت104هـ) ، واختيار ابن جرير الطبري (ت310هـ) ، لأنه لم يَحدّ وقتا من الليل دون الوقت (6) ، وهو المناسب لوقت نزول السورة.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩٠٨