تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما التسبيح أدبار السجود، فمن العلماء من أجرى التسبيح فيه على الصلاة، ومنهم من أبقاه على ظاهر معناه من أذكار التسبيح (7) ، وبذلك يتضح معنى السجود في هذه الآية، وتنتظم أقوال العلماء فيها في أربعة أقوال، وهي:

القول الأول: مارواه البخاري (ت256هـ) في صحيحه عن ابن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهما أنه قال: ((أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها يعني قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ )) (8) .

فالسجود هو جميع الصلوات المكتوبات (1) ، والتسبيح هو التسبيح باللسان، وقد ورد عن النبي (التسبيح في دبر كل صلاة ولم يذكر أنه تفسير للآية (2) ، وجاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: ((من سبّح الله في دُبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير - غُفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) (3) .

القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ هما الركعتان بعد المغرب فالسجود في هذه الآية معناه صلاة المغرب وسمي التسبيح صلاة، لأنه تنزيه لله عما لا يليق به، والصلاة تشتمل على ذلك، من ذكر وقرآن وتسبيح كلها تنزيه لله تعالى (4) أما سبب تسمية الصلاة سجودا فقد سبق ذلك في مقدمة البحث وتضاعيفه.

والقول بأنه الركعتان بعد صلاة المغرب مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، منهم عمر (ت23هـ) وعلي (ت40هـ) وابن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهم، ومجاهد (ت104هـ) والحسن (ت110هـ) وقتادة (ت118هـ) وغيرهم (5) وهو اختيار ابن جرير (ت310هـ) ، حيث قال رحمه الله: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال. هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك)) (6) .

ورُوى ذلك مرفوعا، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال لي النبي (: ((يابن عباس ركعتان بعد المغرب أدبار السجود)) (7) ولو صح هذا الحديث لوجب المصير إليه، لكنه ضعيف كما نص عليه ابن حجر (8) (ت852هـ) .

القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ النوافل بعد المفروضات، قاله ابن زيد (1) ، وقواه ابن جرير (ت310هـ) بقوله رحمه الله: ((لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة بل عمّ أدبار الصلوات كلها فقال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (2) .

القول الرابع: حمل الآية على ظاهرها، وهو ماذكره الجصاص في أحكامه: ((إذا وضعت جبهتك على الأرض أن تسبح ثلاثا)) (3) ، واعتباره قولا رابعا في جانب الأقوال السابقة فيه تجوّز إذ لم أعثر عليه في مصدر آخر، بل نصّ الآية يقتضي أن يكون عقب السجود، وليس في السجود نفسه.

ورجح بعض المحققين القول الأول (4) ، وهو الذي رواه البخاري (ت256هـ) عن ابن عباس رضي الله عنه (ت68هـ) رضي الله عنهما، وهو الموائم لوقت نزول السورة لأن صلاة المغرب لم تفرض بعد، فحَمْلُ التسبيح باللسان على عموم أدبار الصلوات هو الأولى، أما القول الثاني، وهو تخصيص ذلك بصلاة المغرب فقد تعقبّه الطبري (ت310هـ) بقوله رحمه الله: ((ولم تقم - بأنه معنيّ به دبر صلاة دون صلاة - حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل)) (5) ، وأما القول الثالث فيمكن أن يُتعقب بأن بعض المفروضات لا نافلة بعدها. والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (الإنسان/24-26) : قوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ : ((أي أول النهار وآخره)) (6) ، والمقصود استغراق جميع وقت النهار، وقيل: ﴿بُكْرَةً﴾ : صلاة الصبح، ﴿وَأَصِيلًا﴾ : صلاة الظهر والعصر (7) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩٠٩