وامتدحهم الله بالسجود في آيتي آل عمران والإسراء فما معناه؟ وما كيفيته في تينك الآيتين؟.
أما قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران/ 113) : فللسجود في هذه الآية معنيان وجيهان:
المعنى الأول: وهو يُصّلون، فالسجود اسم للصلاة، وإنما عبر عن الصلاة بالسجود لأنه أدخل في كمال الخضوع والخشوع والتضرع (1) ، ولأن التلاوة لا تكون في السجود (2) ، فهي على هذا جملة في موضع حال، أي يتلون آيات الله متلبسين بالصلاة (3) .
المعنى الثاني: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها، فالسجود هو السجود المعروف في الصلاة)) (4) ، وهذا هو الظاهر من لفظ السجود (5) ، لأن الأصل في إطلاق الألفاظ الحقيقة الشرعية.
والمراد بالصلاة – في أولى أقوال العلماء في هذه الآية – صلاة العشاء (6) لقول ابن مسعود (ت32هـ) رضي الله عنه ((أخَّر رسول الله (صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، قال: ((أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم)) ، قال: وأُنزل هؤلاء الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (7) .
وأما قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ فحمله الحسن (ت110هـ) على ظاهره وهو السجود على اللِّحى، وهذا القول لا يستقيم إلا إن كان المقصود بالذين أوتوا العلم السابقين ممن لم يدركوا الإسلام والقرآن وإنما عرفوه من خلال كتبهم، وكان كذلك سجودهم (8) .
والأصح ما ذهب إليه ابن عباس (ت68هـ) رضي الله عنه، وتابعه عليه جماهير المفسرين، وهو السجود على الوجوه وذلك أن الآية اشتملت على الخرور والسجود، والآية التالية – وهو قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ – اشتملت على الخرور والبكاء، فأفادت الآية الأولى أن أول ما يَلقى الأرض من الذي يَخر قبل أن يصوِّب جبهتَه ذقنُه، ففيها تصوير لحال سجودهم، وفيها أن الخرور عبادة مقصودة يحبها الله، وقد يكون خرور بدون سجود، كما هو الحال في الآية التالية، فقد يبكي الخاشع مع خرور دون أن يصل إلى حدّ السجود، وهذه عبادة مقصودة أيضا، غير أن مجموع الآيتين أفاد الخرور للأذقان، والسجود على الوجوه والبكاء مع الخشوع، كما في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (1) (مريم/58) ، وآية الإسراء من مواضع سجود التلاوة المتفق عليها (2) .
وقيل: إن المقصود بالسجود في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ هو مجرد الخضوع والخشوع وهو قول ساقط لا يعوّل عليه (3) .
وفيما ذكره الله من سجود مؤمِني أهل الكتاب معان بلاغية، منها:
الجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ تدل على الاستمرار، والضمير في ﴿وَهُمْ﴾ يدل على التوكيد، واختيار صيغة المضارع للدلالة على التجدد، وعطفت بالواو في ﴿وَهُمْ﴾ على ما قبلها من التلاوة لتشعر بأن تلك التلاوة كانت في صلاة (4)
التعبير باللام بدل ((على)) في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ، وهذه اللام تعرف بلام الاختصاص، وهي تدل على تمام السجود وتمكّن الوجوه من الأرض من قوة الرغبة في السجود لما فيه من استحضار الخضوع لله سبحانه (5) .
جاء التعبير عن الخرور الأول بالاسم وعن الثاني بالفعل في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ ، وذلك لأن الفعل مشعر بالتجدد، والبكاء ناشئ عن التفكر، فهم دائما في فكرة وتذكر وخشوع، ولما كانت حالة السجود ليست تتجدد في كل وقت عبر فيها بالاسم (1) .