تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تاسعاً - سجود الصديقة مريم وركوعها:

قال الله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران/43) .

((القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع)) (5) ، ((وقيل لطول القيام في الصلاة قنوت)) (6) ، وهو المقصود في هذه الآية عند الجمهور (7) ، وذلك مناسب لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ (8) ، وقال سعيد بن جبير (ت95هـ) : ((أخلصي لربك)) (9) وبه تأوّل ابن جرير (ت310هـ) هذه الآية، فقال: ((فتأويل الآية إذا: يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصا)) (10) ، وهو مناسب للآية قبلها: ﴿وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) ﴾ ، فإخلاص العبادة لله شكرا واعترافا يتسق مع ما خصها الله به من كراماته.

واختلف العلماء في المراد من السجود والركوع في هذه الآية، فمنهم من أجراهما على هيئات الصلاة المعهودة، ومنهم من حملهما أو أحدهما على الصلاة مطلقا، ومنهم من اعتد بأصل المعنى اللغوي _ وهو الخشوع _ فيهما أو في أحدهما (11) .

وقد تقرر أن الأصل حمل الألفاظ على حقائقها الشرعية إلا أن تصرفها قرينة أو دلالة إلى أحد معانيها الأخرى، وعليه فإن معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي﴾ على ظاهره في معناه الشرعي (1) ، وخُص بالذكر وقدم على الركوع لشرفه وفضله على سائر هيئات الصلاة (2) ، أما الركوع فقد خلت منه صلاة اليهود والنصارى (3) ، فلهذا جاز حمله هنا على مطلق الصلاة أي صلي مع المصلين وقد تضمن ذلك الأمر بصلاتها مع جماعة، وتلك خِصِّيصة لها من بين نساء بني اسرائيل (4) ، والذين من قبلنا كانت لهم صلاة لكنها ليست مماثلة لصلاتنا في أوقاتها وهيئاتها (5) ، فلا يلزم أن يكون في صلاة من قبلنا ركوع مثل ركوعنا، وكذلك ما ذكر من السجود لا يلزم أن يكون على الصورة التي عليها شرعنا تماما، وإنما هو مطلق السجود (6) .

ومن العلماء من اعتد بالأصل اللغوي في هذه الآية، وهو الخشوع، أي اخشعي لله مع من خشع له من خلقه شكرا له على ما أكرمك به من الاصطفاء (7) ، وذلك يتضمن معنى آخر للآية بالإضافة إلى الصلاة، لأن قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي﴾ قد أفاد معنى الصلاة إذ هو جزء منها.

ولما كان موضوع الآية في مقام الشكر على ما أنعم الله به على مريم من مزيد المواهب والعطايا (8) ((قال قوم: تأويلها اسجدي: أي صلي ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ : أي اشكري لله جل ثناؤه مع الشاكرين)) (9) ، نقل هذا التأويل اللغوي الحاذق ابن فارس

(ت395هـ) مستشهدا به على أنه يقال: ((للساجد شكراً: راكع)) (10) .

عاشراً - سجود مؤمني أهل الكتاب:

قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران/113) .

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء/107_109) .

المراد ب ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وأهل الكتاب من أسلم من اليهود والنصارى (1) .

﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ : أي ((مستقيمة عادلة)) (2) .

والمتلوا في الآيتين: القرآن الكريم (3) ، وهو المراد بالوعد في قوله تعالى ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (4) .

﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ : أي ساعاته (5) .

الأذقان: ((أسافل الوجوه، حيث يجتمع اللحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، لا سيما عند سجوده)) (6) .

وقد خص الله بالتنويه من آمن من أهل الكتاب في هذه الآيات وفي غيرها لما لهم من سابق إيمان، وتصديق بما جاء به الرسول (ومتابعة له، ولذلك وعدهم الله بأن يؤتيهم أجرهم مرتين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (القصص/51-54) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩٠٥