تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحاول الشاعر أن يجعل من تكرار البداية بالضمير (أنت) قوة فاعلة وسلطة قوية في نفس المتلقي للتأثير عليه وجعله يعيش جو النص ليؤكد على قيمة الحب بكل أنواعه لأنه يطهر النفوس، وقد تجسد الحب في محبوبته وتقديسها والاشادة بها والخضوع لسلطانها وقد جاء ذلك عبر تكراره للضمير أنت بشكل أفقي ورأسي للتأكيد على قيمة هذا المفهوم وإعلاء شأنه يقول:

أنت أنت الحياة في قدسها السامي

أنت أنت الحياة في رقة الفجر

أنت أنت كل أوان

أنت أنت الحياة فيك وفي عينيك

وفي سحرها الشجي الفريد

وفي رونق الربيع الوليد

في رداء من الشباب جديد

آيات سحرها المحدود (4)

فعمق من هذا التكرار بالتأكيد على الضمير أنت بتكراره مرة أخرى ملازمة للأولى بنغمة موسيقية هادئة تخلو من العنف والقسوة الذي يتمثل في التنوين لذلك جاءت النغمة العلاماتية بعد الضمير هادئة تكشف عن تماسك وتلاحم أوصال الشاعر عند حديثه عن محبوبته التي نعتها بنعوت متعددة حتى جعلها كل ما في الوجود، لا سبيل إلى سعادته إلا بتواصلها معه، وقد التفت القدماء إلى ظاهرة تكرار صدور الأبيات فتحدثوا عن فائدته وجعله مختلفاً بما يقرره (1) ومنهم من علل هذا التكرار بأنه (لما كانت الحاجة إلى تكرارها ماسة والضرورة إليها داعية لعظم الخطب وشدة موقع الفجيعة. فهذا يدلك على أن الإطناب عندهم مستحن كما أن الإيجاز في مكانه مستحب" (2) .

إن يأس الشاعر من الواقع بكل صوره جعله يعطي الضمير (أنت) روح الثورة والتمرد على الذات والغير، فيكرره في قصيدته عتاب (إلى الله) التي تكشف عن حسرته وحزنه لما آلت إليه حاله من أزمات نفسية تأثره، يعصف فيها الألم والقنوط بكل حقائق الحياة وتتزعزع معها كل قواعد الإيمان، فيصبح غريباً في هذه الدنيا وتصبح الحياة لديه صورة من اللهو والعبث يقول:

يا إله الوجود هذي جراح

أنت أنزلتني إلىظلمة الأرض

أنت أوصلتني إلى سبل الدنيا

في فؤادي تشكو إليك الدواهي

وقد كنت في صباح زاه

وهذي كثيرة الاشتباه (3)

ثم يواصل تكرار أنت بشكل رأسي معمق، يحفر بشدة ليكشف عن يأس الشاعر وقنوطه (أنت أوقفتني على لجة الحزن، أنت أنشأتني غريباً بنفسي، أنت كرهتني الحياة، أنت جبّلت بين جنبي قلباً، أنت عذبتني بدقة حسي… فكرر الضمير (أنت) بقوة حيث جعله النقطة المركزية التي تدور حولها الأبيات الأخرى وحتى يعطيه أكثر قوة وسلطة تكشف عن تحديه وتمرده فقد ربط هذا الضمير بأفعال تنبيء عن حس الشاعر الحزين وثورة انفعالاته وتمرده على الوجود (أنزلتني، أوصلتني، عذبتني، كرّهتني) فهي افعال تدور في دائرة القسرية والإلزام الذي ظهر عبر حركة التضعيف الظاهرة عليها، وكأن الضمير (أنت) حال فيها متوحد معها متكرر مرة أخرى، فيخلق بذلك تراكيب وأبنية إيقاعية ذات صدى وفعالية فتصبح الجملة ذات بعد أوسع وأقدر على استيعاب هذه الثورة وهذه النفس الثائرة فبدأت من (أنزلتني لحظة الولادة) إلى لحظة التكوين والتشكيل للذات عبر السياقات اللغوية الأخرى التي تتوحد في تراتب علاماتي وصوتي فعّال، وانطلاقاً من هذا الفهم فإن عملية الالتفات إلى الجانب النفسي في أسلوب التكرار عملية مهمة، فلو اختلف الموقف الشعري لاختلف الأسلوب "فالشاعر قد يستعمل كل حيل اللغة من البساطة الكاملة إلى البلاغة المعقدة فيذكي حرارة العاطفة من خلال الإيجاز آناً ومن خلال الإطناب آناً آخر وطوراً عن طريق التفضيلات وطوراً عن طريق التكرار (1) .

أما الضمير (نحن) الذي شكل منه تكرار بداية في قصيدته (ألحاني السكرى) يقول:

نحن نحيا كالطير في الأفق الساجي

نحن نلهو تحت الظلال كطفلين

وكالنحل فوق غصن الدهور

سعيدين في غرور الطفولة

ثم يكرر هذا الضمير ثماني مرات في قوالب لغوية مختلفة (نحن نغدو بين المروج ونمشي، نحن مثل الربيع نمشي، نحن نحيا في جنة من جنات السحر، نحن في عشنا المورد نتلو…) (1) . فيكشف تكرار ضمير (نحن) عن أهمية الذات الشاعر وتفخيمها، مما جعل الشاعر يكرر هذا الضمير. فقد بدأ كل بيت بالضمير (نحن) وهذه البدايات المتساوية تبعها فعل مختلف عن الآخر (نحيا، نلهو، نغدو، نمشي…) وبذلك يعكس كل بيت جانباً من إحساس الشاعر بالذات وتميزها التي تسعى للعيش الهاديء في اللحظة الحاضرة، فجسّد هذا الإحساس بمنظومة الأفعال التي جاءت تكشف عن لحظة الزمن الراهنة من خلال حرف النون الذي يعد جزءاً من الضمير (نحن) وكأنه بذلك يجعل السامع أو القاريء واقعاً تحت سلطان التنبؤ والتوقع لما يحدث لأن الشاعر قد أورد من خلال الضمير تصوراً جديداً في إطار الجو العام الذي يتحدث عنه وهو حب الذات.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩١٣