الكم الزمني لصويت الغنة في الأداء القرآني
د. يحيى بن علي المباركي
الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية - كلية الآداب والعلوم الإنسانية -
جامعة الملك عبد العزيز
ملخص البحث
يحاول هذا البحث أن يقف بطريق التجريب والتطبيق على حقيقة الكم الزمني لصويت الغنة في الأداء القرآني. وهذا الكم الزمني يعد صفة لازمة لبعض الأصوات في اللغة العربية كالميم والنون وما في حكمهما. والوسيلة التي لجأ إليها العرب في أدائهم لأصوات لغتهم حين عمدوا إلى إطالة زمن صويت الغنة في كل من الميم والنون وما في حكمهما، عندما تسبق غيرها من الحروف في اللغة العربية، فيما عرف عند أهل الأداء بعد ذلك بأحكام النون والميم الساكنتين وما في حكمهما، من وجوب إظهار لصويت الغنة دون إطالة لزمنه في بعض الحروف، أو إدغامه فيها عند مجاورته لها في الأداء، أو إطالة لزمن صويت الغنة المنطوق معها، أو إبقاء له دون إدغام مع الحرص على إخفائه عندها والإتيان به مع بعض هذه الحروف على نحو يتفاوت كمه وزمنه بناء على قرب مخرج هذا الحرف أو بعده من مخرجي الميم والنون وما في حكمهما. وقد قسم هذا البحث إلى قسمين:
قسم نظري: تناول أهمية هذا البحث، وتعريفا بصويت الغنة، ومحله مع بعض الحروف في اللغة العربية، وكيفية أدائه ومقداره ومراتبه، وأنواع تأثر النون والميم الساكنتين وما في حكمهما بما بعدها من أصوات في اللغة العربية، وأهداف البحث.
قسم تطبيقي تجريبي: قام على إدخال نص من القرآن الكريم (هو سورة يونس عليه وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة وأتم التسليم) إلى الجهاز الصوتي (Sona- Graph Model 5500) بأصوات أربعة من القراء المجيدين المعاصرين هم على الترتيب: محمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي، وعبد الباسط محمد عبد الصمد، وعلي بن عبد الرحمن الحذيفي، على طريقة الترتيل، ثم تم استخلاص المتوسط العام لكل لفظ ورد فيه صويت الغنة في آي هذه السورة الكريمة للوقوف بجلاء على قيمة الكم الزمني لصويت الغنة والتأثيرات التي تطرأ على هذه القيمة طولا وقصرا في الأداء السياقي.
• • •
مقدمة:
تتأثر الأصوات اللغوية بعضها ببعض عند النطق بها في الكلمات والجمل. ويتأثر الصوت اللغوي بما يجاوره من أصوات تألفت معه في السياق ووردت قبله أو بعده مباشرة أو مفصولة عنه بفاصل. ويؤدي ذلك إلى حدوث ظواهر لغوية كثيرة تتناول ظواهر كثيرة تتناول كثيرا من جوانب اللغة وأهمها الأصوات. وقد وجد أن هذا التجاور أو الورود في السياق هو المسئول الرئيس فيما قرره علماء الأصوات عما يصيب بعض الحروف داخل البنية اللغوية من إدغام أو إبدال أو نقل أو حذف …إلخ. وتمثل ظاهرة الإدغام بجميع صوره دليلا قويا على مدى تأثر أصوات الحروف بعضها ببعض إذا تجاورت في الكلمات أو الجمل حيث يترتب على تجاور صوتين متماثلين أو متجانسين أو متقاربين أن أحدهما يفنى في الآخر بحيث ينطق بالصوتين صوتا واحدا كالتالي، أو يقرب أحدهما مخرجا أو صفة من الآخر الأمر الذي يؤدي إلى أن ينتقل الصوت من مخرجه الأصلي الذي ينطق منه إلى مخرج آخر قريب من مجاوره فيستبدل به أقرب الأصوات إليه في هذا المخرج الجديد أو صفته. وعلى هذا الأساس تتغير مخارج بعض الأصوات أو صفاتها لكي تتفق في المخرج أو الصفة مع الأصوات الأخرى المحيطة بها في البيئة اللغوية، فيحدث عن ذلك نوع من التوافق والانسجام. ويشترط لحدوث هذه الظاهرة الصوتية بهذه الكيفية في المدغم أن يلتقي الحرفان خطا، سواء التقيا لفظا أم لا، فدخل نحو " إنه هو " فلا تمنع الصلة من إدغام المثلين، وخرج نحو " أنا نذير " لوجود فاصل هو ألف المد، وفي المدغم فيه كونه أكثر من حرف، وإن كان من كلمة ليدخل نحو " وخلقكم "، ويخرج نحو " نرزقك " و " خلقك "، ووجه ذلك إما التماثل: وهو أن يتحد الحرفان مخرجا وصفة كالنون الساكنة في مثلها والباء في مثلها، وإما التجانس: بأن يتحد الحرفان مخرجا وصفة كالميم الساكنة في الباء والثاء في الذال، وإما التقارب: وذلك بأن يتقاربا مخرجا أو صفة، أو مخرجا وصفة مثل: النون