ظاهرة التكرار في شعر أبي القاسم الشابي
(دراسة أسلوبية)
د. زهير أحمد المنصور
أستاذ مشارك بقسم النقد والبلاغة - كلية اللغة العربية - جامعة أم القرى
ملخص البحث
يهدف هذا البحث إلى الكشف عن ظاهرة التكرار في شعر أبي القاسم الشابي، تلك الظاهرة التي ظهرت بوضوح في شعره، التي ترتبط – إلى حد ما – ارتباطاً وثيقاً بنفسية الشاعر وبناء حياته، إذ يقوم التكرار على جملة من الاختيارات الأسلوبية لمادة دون أخرى ولصياغة لغوية دون أخرى، مما يكشف في النهاية عن سر ميل الشاعر لهذا النمط الأسلوبي دون غيره.
كما يهدف البحث إلى محاولة التعرف على طبيعة هذه الظاهرة وكيفية بنائها وصياغتها وتركيبها وإلى أي مدى استطاع الشاعر أن يوفق في بنائها ليجعل منها أداة فاعلة داخل النص الشعري وأن يوظفها توظيفاً دقيقاً لتصبح أداة جمالية تحرك فضاء النص الشعري وتنقله من السكون إلى الحركة والموسيقية.
كما يحاول البحث التعرف على محاور التكرار وأنماطه عند الشابي التي تمثلت في تكرار الكلمة وتكرار اللازمة وتكرار البداية، ودور هذه المحاور في بناء الجملة على اختلاف أشكالها عند الشاعر، وإلى أي مدى كانت هذه المحاور قادرة على تكوين سياقات شعرية جديدة ذات دلالات قوية ومثيرة لدى المتلقي تعمل على جذب انتباهه وشده ليعيش داخل الحدث الشعري الذي يصوره الشاعر.
كما يكشف عن البناء الفني الدقيق للتكرار الذي أنتجته عبقرية الشابي في النص الشعري حيث ورد عنده في اتجاهين: الأول الاتجاه الرأسي، والثاني الاتجاه الأفقي، كل ذلك ليجعل منه أداة جمالية تخدم النص الشعري فتمنحه القوة والفاعلية والتأثير.
• • •
يعد التكرار من الظواهر الأسلوبية التي تستخدم لفهم النص الأدبي وقد درسها البلاغيون العرب وتنبهوا إليها عند دراستهم لكثير من الشواهد الشعرية والنثرية وبينوا فوائدها ووظائفها (1) كما أن دراستهم للنص القرآني والبحث في إعجازه قد دفعتهم إلى البحث في مثل هذه الظواهر، خصوصاً أنه قد وردت في القرآن الكريم بعض نماذج من التكرار في القرآن الكريم، قام على دراستها وتفسيرها بعض البلاغيين فحاولوا تفسير هذه الظواهر وبيان دلالتها ضمن السياق القرآني (2) . من هنا جاءت هذه الدراسة لشعر الشابي لمحاولة الكشف والاستكناه لهذه القوالب الفنية لبيان أبعادها ودلالاتها على اختلاف مواقعها سواء أكان في الكلمة أو العبارة أو الجملة أو الحرف.
إن مصطلح التكرار مصطلح عربي كان له حضوره عند البلاغيين العرب القدامى فهو في اللغة من الكر بمعنى الرجوع. ويأتي بمعنى الإعادة والعطف يقول ابن منظور: الكرّ: الرجوع يقال كرّه وكرّ بنفسه… والكر مصدر كرّ عليه يكرُّ كراً وكروراً وتكراراً: عطف عليه وكرّ عنه: رجع… وكرر الشيء وكركره: أعاده مرة بعد أخرى. فالرجوع إلى شيء وإعادته وعطفه هو تكرار، وقد يأتي تصريف آخر بمعنى التكرار وهو التكرير يقول الجوهري (393هـ) الكرّ الرجوع، يقال: كرّه وكرَّ بنفسه يتعدى ولا يتعدى وكررت الشيء تكريراً وتكراراً (3) . أما في الاصطلاح فهو تكرار الكلمة أو اللفظة أكثر من مرة في سياق واحد لنكتة إما للتوكيد أو لزيادة التنبيه أو التهويل أو للتعظيم أو للتلذذ بذكر المكرر (4) .
والتكرار لا يقوم فقط على مجرد تكرار اللفظة في السياق الشعري، وإنما ما تتركه هذه اللفظة من أثر انفعالي في نفس المتلقي، وبذلك فإنه يعكس جانباً من الموقف النفسي والانفعالي، ومثل هذا الجانب لا يمكن فهمه إلا من خلال دراسة التكرار داخل النص الشعري الذي ورد فيه، فكل تكرار يحمل في ثناياه دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق الشعري، ولو لم يكن له ذلك لكان تكراراً لجملة من الأشياء التي لا تؤدي إلى معنى أو وظيفة في البناء الشعري، لأن التكرار إحدى الأدوات الجمالية التي تساعد الشاعر على تشكيل موقفه وتصويره ولابد أن يعتمد التكرار بعد الكلمة المتكررة حتى لا يصبح التكرار مجرد حشو، فالشاعر إذا كرر عكس أهمية ما يكرره مع الاهتمام بما يعده حتى تتجدد العلاقات وتثرى الدلالات وينمو البناء الشعري (1) . وهذا ما دفع بعض البلاغيين إلى النظر لظاهرة التكرار من زاوية أخرى، إذ رأوا أن التكرار قد يقع في المعنى دون اللفظ، فيري ابن الأثير الحلبي أن التكرار قسمان: أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى والآخر في المعنى دون اللفظ، فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع. وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: أطعني ولا تعصني فإن الأمر بالطاعة هو النهي عن المعصية (2) . فمثل هذه الملاحظة ترصد دقة الكشف عن حركة الملحظ البلاغي في السياق، فهي إشارة إلى أن التكرار يتشكل في مستويين: الأول: مستوى لفظي ومعنوي والثاني معنوي (3) .